عِــداءُ سوريــا ليس مــادةً نـضالــيــة

جريدة النهار في 29 نيسان 2010

سجعان قزي

 

في الذكرى الخامسة لانسحاب الجيش السوري ـ فقط ـ من لبنان، لا تزال العَلاقاتُ بين اللبنانـيّين أسيرةَ العلاقاتِ اللبنانية ـ السورية، والعلاقاتُ اللبنانيةُ ـ السورية رهينةَ علاقاتِ سوريا العربية والإقليمية والدولية. من هنا: لا وِحدةٌ لبنانيةٌ من دونِ علاقاتٍ لبنانيةٍ سوريةٍ جيّدة، ولا علاقاتٌ لبنانيةٌ جيدة بسوريا من دون فَهمٍ لبنانيٍّ لدورِ سوريا في الشرقِ الأوسط وفَهمٍ سوريٍّ للخصوصيّـةِ اللبنانية. وإلى حينِ حلولِ نعمةِ الفهمِ المتبادَل ـ وهي ليست لمنتظِرِها بقريبة ـ سيقتصرُ تَحسّنُ العلاقاتِ اللبنانية السورية على المَلـفَّـاتِ الثنائيةِ غيرِ السياسيّـةِ والأمنـيّـة، بينما الملفاتُ المـتَّصلةُ بصراعاتِ المنطقةِ ستبقى خلافـيّـةً كسلاحِ حزبِ الله وتسليحِه، وانتشارِ السلاحِ الفلسطينيِ داخلَ المخيماتِ وخارجَها، وجبهةِ جَنوبِ لبنان، وترسيمِ الحدودِ الجنوبية الشرقية.

 

لذا، على اللبنانيين، دولةً وجماعاتٍ سياسيةً وطائفية، أن يُدرِكوا، مرةً نهائيةً، محدوديةَ تطبيعِ العلاقاتِ مع سوريا ما دام النظامُ السوريُّ يعتبر ديمومتَه مرتبطةً بدورِه في لبنانَ والشرقِ الأوسط وليس بأمنِه في الداخلِ السوري فقط، وما دامت نظرتُه إلى الكِيان اللبنانيِّ يَشوبها، بعدُ، التِباس.

 

لكن، هل يُمكنُ للبنانَ أن يَفصُلَ في علاقاتِه بسوريا المَلـفَّـاتِ الثنائيةَ عن المَلـفَّـاتِ المتعدِّدةِ الأبعاد، خصوصاً وأنَّ تَدهوُرَ العلاقاتِ الثنائيةِ هو أصلاً بسببِ المَلـفَّـاتِ المتعدِّدةِ الأبعاد وليس العكس؟ سوريا تستطيعُ التَحكُّمَ بكلِّ أنواعِ المَلـفَّـاتِ مع لبنانَ لأن حُكمَها العسكريَّ يَضبُط وِحدتَها الداخلية. أما لبنانُ فغيرُ قادرٍ على التَحكُّمِ بأيِّ مَلفٍّ لأن وِحدتَه الوطنيةَ هشَّـةٌ، ولأن عدداً من مكـوِّناتِها مرتبطٌ، قومياً أو دينياً، بمرجِعياتٍ خارجية، وفي طليعتِها سوريا والسعوديّـةِ وإيران.

 

حالُ الانقسامِ اللبنانيِّ يُشجِّع النظامَ السوريَّ على نسجِ علاقاتٍ بالقوى اللبنانيةِ عِوضَ أن يَحصُرَها بالدولة اللبنانيةِ دون سواها. ولا يستطيعُ المسيحيون أن يَشُذّوا عن هذا الواقع، المخالِفِ لأصولِ العَلاقاتِ الدوليةِ والضَـيِّقِ الأفاق، لثلاثةِ أسبابٍ على الأقل:

 

الأول هو أنَّ الحكمَ اللبناني بتركيبِه الحالي لا يَحمِل هواجسَ المسيحيّين وقلقَهم في مفاوضاتِه مع دمشق، لا بل يَحمِل ما يُعاكِسها أحياناً.

 

الثاني هو أن الحوارَ بين القيادةِ السوريّةِ والقادةِ المسيحيّين، لاسيما الموارنةَ منهم، لم يَنقطِع منذ أن تَولّى الرئيسُ الراحل حافظ الأسد الحكمَ سنةَ 1971. وتَحوّلَ تحالُفاً موضوعياً بين سنتي 1976 و 1977.

 

والثالث هو أن المسيحيّين اللبنانيين، الحريصين على دورِ ريادةِ مسيحيّي الشرق، يُفتَرض أن يؤمِّنوا سُبلَ التواصلِ الدائم، لا الظرفي، مع النظامِ السوري، وأن يُعيدوا النظرَ في اعتبارِ العِداءِ المتبادَلِ بينهم وبين سوريا مادةً نضاليةً فِطريَّـةً، خصوصاً وأن ثمارَ هذا النضالِ يَقطُفها غيرُهم دائماً، ولأن العِداءَ بين الشعوب حالٌ استثنائية، والصداقةَ هي الحالُ الطبيعية.

 

وإذا كان اللبنانيون، والمسيحيّون بخاصة، يؤمنون أنَّ مقاومتَهم الجيشَ السوري كانت في سبيلِ السيادةِ والاستقلال (وهي كذلك)، وأن شهداءَهم ماتوا من أجلِ لبنان، فهذه المقاومةُ حقَّقت أهدافَها العريضةَ، والشهداءُ حرّروا لبنان وانسحبَ الجيشُ السوريُّ من غالِبيةِ الأراضي اللبنانية . وبات الرهانُ أن تُـحَلَّ المشاكلُ العالِقةُ بين البلدين بالمفاوضات، وأن تَتِمَّ المصالحةُ التاريخيةُ بينهما، وأن تُصبحَ العَلاقاتُ الثنائيةُ طبيعيةً ومميَّـزةً وممتازةً، فـتُنهي حالةَ العِداءَ وتَحولُ دونَ عودةِ السيطرةِ السوريّـةِ على لبنان إلى سابقِ عهدِها مباشرةً أو عَبر أدواتٍ لبنانيةٍ جديدةٍ رسميةٍ أو سياسية.

 

وفي نفسِ السياق، لا بدَّ للمسيحيّين اللبنانيين، استطراداً، أن يُـقَـيِّموا بجرأةٍ طريقةَ كِفاحِهم ونِسبتِه ومردودِه في سبيلِ الدولة اللبنانيةِ والنظامِ وكِيانِ الــ 10452 كلم. فما كان صائباً حتماً أمسِ قد يكون مسألةً فيها نظرٌ اليوم: فلا هذا الكِيانُ يحافِظ بعدُ على انتشارِهم وخصوصيَّـاتِهم، ولا هذه الدولةُ تَصون بعدُ دورَهم التاريخيّ، ولا هذا النظامُ يوفِّر لهم بعدُ الأمنَ والحريَّـةَ والحمايةَ والعمل. حان للمسيحيين وَقفَ المقاومةِ "بالسُخْرة"، فهذه دولةٌ "لحامِلِها". وحان لهم أيضاً أن يُعطوا جواباً جديداً وواقعياً، هذه المرّة، عن سؤالِ "أيِّ لبنانَ يريدون"، فأجوبَـتُهم المثاليّـةُ السابقةُ، بين سنتَيْ 1920 و 1943، سَقطت بالنقاطِ عَبرَ أزَماتِ العقودِ الماضية وحروبِها، وبالضربةِ القاضيةِ مع انتشارِ الأصولياتِ السلفيةِ في المذاهبِ الإسلامية.

غير أنَّ الدعوةَ إلى مصالحةٍ جِدَّيةٍ مع سوريا تَبقى رجاءً مُعلّقاً ما لم تُبادِر دِمشْق، وهذا النظامُ بالذات، إلى إعطاءِ إشاراتٍ مُشجِّعةٍ وصادقةٍ وعملية؛ فالماضي مُثقَلٌ بالتجاربِ الفاشلةِ وبخيباتِ الأملِ المشترَكةِ وبالاتّهاماتِ المتبادَلة. والرئيسُ بشار الأسد، الذي اعترفَ، عابراً، بالأخطاءِ السوريّةِ السابقةِ في لبنان، يُكَرِّرُها عِوضَ أن يُصَحّحَها.

 

منذ الاستقلالِ إلى اليوم، لم يَنجحْ رئيسٌ لبنانيٌّ أو حكومةٌ لبنانيةٌ في إرساءِ علاقاتٍ طبيعـيّـةٍ أو مُمَـيَّزةٍ مع أيِّ نظامٍ سوري. ولم يَتمكّن أيُّ طرفٍ مسيحيٍّ من الذهابِ حتى النهايةِ في علاقاتٍ ثابتةٍ مع النظامِ السوريِّ الحالي على قاعدةِ سيادةِ لبنانَ واستقلالِه. رغم أنَّ مسؤوليةَ هذا الفشلِ تقعُ على المسؤولين السوريّين فاللبنانيّين، الموضوعُ يتعدّى المسؤوليةَ بمفهومِها الإرادي إلى المصلحةِ السوريّةِ بمفهومِها الجيو ـ ستراتيجي.

 

اللبنانيّون يَعتبرون سوريا جارتَهم الوحيدة، وسوريا تعتبر لبنانَ أحدَ جيرانِها. اللبنانيّون يعتبرون المَلـفّـاتِ الثنائيةَ قضايا مستقلةً، وسوريا تَربُطها بالمَلـفّـاتِ المتعدِّدةِ الأبعاد. اللبنانيّون يعتبرون الحدودَ المشترَكةَ فاصِلاً سيادياً، والسوريون يعتبرونها امتداداً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً، وبالتالي، كلُّ ما بعدَ "النهرِ الكبير" هو جَنوبُ سوريا. اللبنانيّون يعتبرون التدخّلَ السوريَّ في شؤونِهم الداخليّةِ انتهاكاً لسيادةِ بلدِهم، والسوريون يَجدونَه تَصرُّفاً طبيعياً مع دولةٍ لم يَهضُموا ضُمنياً استقلالَها رغم أنَّ لبنانَ، قبلَ سوريا، تَوحّدَ واستقلَّ وتحرَّر.

 

قبلَ أن يقاومَ لبنانيون الجيشَ السوريَّ، وحتى قبلَ أن تَصدُرَ عنهم مواقفُ سياسيةٌ علنية، حاول المسؤولون والقادةُ اللبنانيون في اجتماعاتٍ مُغلَقةٍ إقناعَ المسؤولين السوريين بمعالجةِ شكاوى اللبنانيّين المُحِـقَّةِ في إطارٍ ثُنائيٍّ وسِلمي، فلم يَحصدوا سوى الوعود. طالبوهم باحترامِ دورِهم كقواتِ ردعٍ، بعدمِ التدخلِّ في الشؤونِ الداخلية، بالتزامِ قراراتِ القِممِ العربيةِ والأممِ المتحدة، باحترامِ بنودِ اتفاقِ الطائف، بتبادُلِ العَلاقاتِ الديبلوماسيّـةِ وترسيمِ الحدود، بإعادةِ الانتشارِ حَسْبَ الحاجاتِ الأمنية، وأخيراً بالانسحابِ فلم يَتجاوبوا.

طوالَ ثلاثةِ عقودٍ عَجَز اللبنانيون عن إقناعِ النظامِ السوريِّ حُـبِّـياً برفعِ ولو حاجزٍ عسكريٍّ واحد. لكنه، في ربيعِ سنةِ 2005، إثرَ ثورةِ الأرز، سَحب كلَّ جيشِه من لبنان لحظةَ طالبَـتْه بذلك الولاياتُ المتحدةُ الأميركية عبرَ القرارِ الدوليِّ 1559، كما سَبق أن سَحبه مِن الجَنوبِ ومن جبلِ لبنان الجنوبيّ والأوسط ومن بيروت حين اجتاحت إسرائيلُ لبنانَ سنةَ 1982.

يَحُـزّ في قلبِنا، نحن اللبنانيين، أشقاءَ الشعبِ السوري، أن يُلبيَّ النظامُ السوريُّ الشروطَ الأميركيةَ والإسرائيلية، ويَرفض التمنـيّـاتِ اللبنانيةَ الأخويّـة. لكنَّ النظامَ السوري، انطلاقاً من مبدأِ "قَبضِ ألاثمان"، يَعتمدُ قاعدةَ التفاوضِ مع الآخرين (عرباً وإسرائيليين ودولاً غربية) بشأنِ دورِه في لبنان ووجودِه ونفوذِه، وليس مع الدولةِ اللبنانية مباشرَة.

 

هذه السلوكيةُ جُزءٌ من بُنيَويَّـةِ النظامِ السوري، وقادتُه يعتبرونها سرَّ استقرارِه واستمرارِه طَوالَ أربعينَ عاماً رغم كلِّ الحروبِ والثوراتِ والانتفاضاتِ واتفاقاتِ السلام والتغييراتِ التي حصلت في بلادِ العربِ والعجمِ والعالم. حين نُدرِك كلبنانيين، وبخاصةٍ المسيحيين منا، تعدّديةَ بنيةِ هذا النظامِ ودِقَّـةَ معادَلاتِه، نَفهَم أكثرَ أسبابَ فشلِ تحسينِ العلاقاتِ الثنائية رغم إرادةِ اللبنانيين ووعودِ السوريين. أوجُه تعدُّديةِ النظام السوريّ هي التالية:

 

إنه نظامٌ بعثيٌّ رئاسيٌّ ملتزمٌ بفكرٍ قوميٍّ عربيّ وِحدوي ذي مَنحى اشتراكيٍّ وعَلماني، ومتعاطفٌ مع غالِبيةِ حركاتِ النضالِ في العالمِ العربي، وبخاصةِ بعضِ حركاتِ الكفاحِ الفلسطيني.

 

إنه نظامٌ أمنيٌّ إذ لا يزال قانونُ الطوارئ ساريَ المفعولِ منذ أربعةِ عقود، وهو بالتالي يُمارس نَمطاً أمنياً في تعاطيه الداخليّ والخارجيّ بِحُكمِ العادةِ والشكوكِ والمخاوفِ (وهي في محلِّها). ومثلُ هذا النمطِ لا يَنسجمُ مع مفهومِ الحريّات الفرديّةِ والعامّـة، ومع الديمقراطية.

 

إنه نظامٌ يَرعاه العلويّون ويحافظون عليه، وهم طائفةٌ إسلاميةٌ كافحت في سبيلِ كرامتِها، ولعِبت دوراً هاماً في تاريخِ المشرقِ منذ عصورٍ قديمة، ونَجحت في رفعِ شأنِ سوريا أكثرَ مِمّا كان عليه إبّـانَ حكمِ غيرِها. وبحكمِ هذا الواقع، يَـهُـمُّ العلويّين أن يَتناغَموا مع الأقلياتِ العربيةِ والإقليميةِ أكانت إسلاميةً أم مسيحيةً أم غيرَ ذلك، لا بل يَعمَلون على التحالفِ مع بعضِها، وحمايةِ بعضِها الآخَر، والسيطرةِ على أخرى، وهذا أحدُ أوجُه التنافسِ بين إسرائيل وسوريا.

 

إنه نظامٌ يلعبُ دوراً محورياً ذَكـيّـاً في الشرقِ الأوسط والمحيطِ الإقليميّ، ولديه حساباتُـه الخاصّة في نَسجِ التحالفاتِ والتوازناتِ والخصوماتِ من أميركا وروسيا والصين، إلى إيران وإسرائيل والسعودية وتركيا، مروراً بمحاورَ داخلَ بلدانِ المنطقة. ومن هذا الموقِع يَسعى النظامُ السوري إلى الإمساكِ بأكبرِ قدرٍ من أوراقِ المفاوضةِ والتسويةِ والمساومةِ سِلماً وحرباً.

 

وفي هذا السياقِ استعادَ النظامُ السوري ـ كلـيّـاً أو جُزئـيّـاً ـ "الأوراقَ" التالية: الورَقةُ السُـنّية (الاتفاقُ مع تركيا، مهادنةُ الإخوان المسلمين، رعايةُ سُـنّـةِ العراق، التفاهمُ مع السعودية وسائرِ دولِ الخليج، دعمُ حَماس والجِهادِ الإسلاميّ في فلسطين، واحتواءُ تَـيّـارات سُـنّيةٍ أساسيّـةٍ في لبنان). الورَقةُ الشيعيّـةُ (إيران، حزبُ الله، أمل، الحوثـيّون وشيعةُ السعودية). ورَقةُ الأقلـيّـات (الدروزُ في الجولانِ المحتلّ وسوريا ولبنان، العلويّون، الإسماعيليّون، والمسيحيّون في العراق وسوريا ولبنان). ونستطيع أن نُضيفَ إلى هذه الأوراقِ نهجَ الهُدنةِ المحترَمةِ مع إسرائيل والحوارَ النشِطَ مع أوروبا وأميركا والعلاقاتِ الوطيدةَ مع روسيا والصين وكوريا الشمالية.

 

أمام هذه الـبُنيةِ التعدّديةِ والغنـيّـةِ للنظامِ السوريِّ والمليئةِ بالأضداد، يَجدُ اللبنانيون، وبخاصةً مسيحيّيه، صعوبةً في أن يَنسُجوا معه عَلاقاتٍ مستقرةً وآمنةً ترتكزُ على احترامِ سيادةِ لبنانَ واستقلالِه وقرارِه الوطنيِّ الحرّ. فعدا المصالحَ السوريةَ المتناقضةَ مع وضعِ لبنانَ الخاصّ ونظامِه الديمقراطي، المجتمعُ اللبنانيّ هو أيضاً ذو تعدّديةٍ متناقضةٍ. كلّ فريقٍ لبنانيٍّ رسميٍّ أو طائفيٍّ أو حزبيٍّ يريد سوريا له ضِدَّ فريقٍ لبنانيٍّ آخَر، كما يُحبِّذ التحالفَ مع وجهٍ دونَ آخَرَ من أوجُهِ النظامِ السوري: الدولةُ اللبنانيةُ تُحبِّذُ التحالفَ مع سوريا الدولة، المسيحيون مع سوريا العلويّـة، الأحزابُ العقائديةُ والعروبـيّـةُ مع سوريا البعث، السُـنَّـةُ مع سوريا السُنيّة، الشيعةُ مع سوريا الإيرانية، والدروزُ مع سوريا جبلِ الدروز. لكنَّ النظامَ السوريَّ لا يستطيعُ فرزَ نفسِه عقاراتٍ، الواحدُ مفصولٌ عن الآخَر وتقديمُها هباتٍ للفئاتِ اللبنانية. وما كانت "سوريا الأسد" حَكمَت "سوريا مُعاوية" لو لم تَحتَرم كلَّ وجهٍ من أوجُه نظامِها، لا بل إنَّ تَـبَـنّي الطاقمِ الحاكمِ في سوريا شعاراتِ الأكثريةِ السُنيّـةِ والعروبيّـةِ والثوريّـةِ هو الذي وفَّـرَ له، إضافةً إلى القبضةِ الحديديّة، الديمومةَ في الحكمِ ومواجهةَ التشكيكِ الإسلاميِّ المتطرّفِ بالمجموعةِ الحاكمةِ رغم الاستقرارِ الذي وَفَّـرَته للشعبِ السوريّ.

 

هذا هو جوهرُ تَعثّرِ تطبيعِ علاقاتِ لبنان، وبخاصة مسيحيّـيه، بسوريا. وهذا هو سرُّ تَـنَـقُّلِ سوريا في لبنان من فريقٍ إلى آخَر، فخاصَمت الجميعَ وصادقَت الجميع، حَسْبَ وضْعِها الداخليّ وتحالفاتِها العربيةِ والإقليميةِ والدولية وأولوياتِها المرحلية. سوريا نظامٌ يتعاملُ مع الآخرين انطلاقاً من موازينِ القوى، ولبنانُ دولةٌ تتعاملُ مع الآخرين انطلاقاً من القوانين الدولية، وهذه قلما لاقت صدى لدى المسؤولين السوريين. سوريا تتعاطى مع المسيحيّين في لبنان بمِقدارِ انضِمامِهم إلى استراتيجيتها وإلى العروبةِ ومُندَرجاتِها، وهم يَودّون التعاطي معها بمقدارِ ما تحترمُ خصوصيَّـتَهم وتعترفُ بهويّةِ لبنان المميَّزة، وهذا موقفٌ إشكاليّ لسوريا التي لا تعترفُ عقائديّـاً ووِجدانياً وسياسياً بلبنانَ حرٍّ.

 

لكنَّ مصلحةَ سوريا ولبنان تُحتِّم تَخطّي مختلَفِ الإشكالياتِ والتوصّلَ، في ضوءِ تجاربِ الماضي واستحقاقاتِ المستقبل، إلى عَقدٍ تاريخيٍّ قِوامُه ألا يكونَ لبنانُ جُزءاً من مشروعٍ ضدَّ النظامِ السوري، وألا يُقحِمَ النظامُ السوريُّ لبنانَ في محورٍ يَنال من استقلالِه واستقرارِه ورسالته. وبقدْرِ ما أنَّ عمليةَ التفاهمِ بين لبنانَ وسوريا صعبةٌ، يَجب أن نضاعِفَ الجهودَ لنجعلَها ممكنةً وحتميّـة. المهمةُ تحتاجُ إلى ذَكاءٍ لبنانيٍّ خلاّقٍ ونـيّـاتٍ سوريةٍ صادِقة، ودورُ المسيحيين اللبنانيّين أساسيٌ في ابتكارِ صيغةِ عقدٍ فريدٍ بين البلدين. أللَهُمَّ استَجِب.