حزب الدعوة شريك نصر الله في حزب الله

كتب حسن صبرا/الشراع 17 تشرين الأول

 

اثر اغتيال العدو الصهيوني لأمين عام حزب الله السيد عباس الموسوي وزوجه وابنه في شباط/فبراير 1992، كان من المنتظر ان يتسلم الامانة العامة للحزب بعده، نائبه الشيخ نعيم قاسم، لكن أمراً حاسماً جاء من ايران.. ((الا هذا الدعوتي)).. نسبة الى حزب الدعوة الذي كان الشيخ قاسم أحد أطره قبل التحاقه بحزب الله، بقرار من حزب الدعوة تنظيم لبنان الذي كان يتحرك ككثير من الحركات الاسلامية العديدة في لبنان والبلاد العربية بنصح وتثقيف المرجع العربي آية الله السيد محمد حسين فضل الله.

 

اختارت ايران الشاب الصاعد السيد حسن نصر الله تلميذ السيد عباس الموسوي والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد يزبك في الحوزة التي أسسها الثلاثة في النبي شيت اميناً عاماً للحزب، رغم ان نصر الله لم يكن الأبرز بين أقرانه يومها.. على الأقل دينياً.

 

وعن أسباب اختيار السيد حسن نصر الله، وليس الشيخ نعيم قاسم يقول اسلاميون مقربون من الحزب وتجربته منذ العام 1982، ان هناك مجموعة اعتبارات حكمت هذا الاختيار.

الاعتبار الاول: ان الشاب حسن نصر الله، وبعد تردده وإطلالته على عدد من التوجهات الفكرية والسياسية بين يسارية ودينية من جمعية ((اسرة التآخي)) عند السيد محمد حسين فضل الله في النبعة الى الحوزة الدينية للسيد عباس الموسوي في النبي شيت ومسؤول محلي لحركة امل وقف خلف مؤسسي الحوزة الدينية في النبي شيت السيد عباس الموسوي والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد يزبك للدفاع عن حركة امل والإمام موسى الصدر ضد السيد محمد حسين فضل الله الذي لم تكن علاقته جيدة لا بالحركة ولا بالإمام الصدر، ثم التحاقه باكراً بالحرس الثوري الايراني بعد ان استقر في منطقة بعلبك قادماً من ايران عبر سوريا للمشاركة في الدفاع عن لبنان ضد الاجتياح الصهيوني في ذلك العام.. استقر على خيار اسلامي ثوري حاسم مرتبط بالنهج الايراني، بعد ان خضع لدورات تثقيف اسلامية على يد عدد من رجال الدين الايرانيين الذين كانوا جزءاً من بعثة كتيبة الحرس الثوري المستقرة في البقاع، ثم ارسل الى النجف للدراسة لمدة سنة ثم الى ايران بعد ان توسم فيه قادته ومدربوه مواهب قيادية واستيعابية وشخصية لمّاحة واعدة.. وما ان عاد من ايران بعد فترة حتى كان اول من كلّف من المجموعة الاسلامية التي نجحت ايران في تشكيلها من عدة حركات صغيرة التقت كلها تحت اسم حزب الله عام 1984 (كما ورد في اول حديث يعلن فيه السيد ابراهيم امين السيد هذه التسمية في مجلة ((الشراع)) آب/اغسطس 1984 بالنـزول الى الضاحية الجنوبية مع ابراهيم امين السيد والاستقرار فيها لنشر الدعوة والعمل الميداني الثوري في وقت واحد، فكانا أول قائدين شابين لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت.. بما كان يمهد للسيد حسن الطريق للصعود الصاروخي داخل الحزب.

 

الاعتبار الثاني: ان ايران كانت ترى حاجة لشخصية شيعية جنوبية، وهي تدرك ان الاجتياح الصهيوني للبنان عن طريق المناطق الجنوبية الشيعية اتاح لها فرصة التواجد العسكري في لبنان لأول وأغلى مرة في تاريخها الشيعي، وهي بحاجة لأن يكون على رأس المجموعة المتحركة باسمها في لبنان شيعي من جبل عامل.. سيد من احفاد رسول الله، ذو شخصية مميزة.. خاصة وقد سبقه الى قيادة حزب الله رجلا دين من بعلبك البقاع هما الشيخ صبحي الطفيلي اول امين عام للحزب، والسيد عباس الموسوي وكلاهما سبقا السيد نصرالله الى الدراسة الدينية، وقد تميز عنهما بقدراته الحركية المثيرة للإعجاب.

 

الاعتبار الثالث: وربما هو الأهم، وهو ان الشيخ نعيم قاسم الذي هو شيعي جنوبي ايضاً كان احد الأطر الاساسية في حزب الدعوة، وهو من المجموعات الاسلامية التي شكلت حزب الله، وحزب الدعوة لم ولن يؤمن بنظرية ولاية الفقيه التي تضعها ايران مدخلاً اساسياً لتجسيد شرعية سلطتها داخل البلاد ومدخلاً كي تثبت ولاء كل المجموعات الاسلامية التي تنشئها او تتبناها او تدعمها من الخارج.

 

الاعتبار الرابع وهو منسجم مع الثالث: ان حزب الدعوة هو الحزب العراقي الكبير الذي سبق قيام اي تحرك اسلامي ثوري في ايران نفسها، الذي اندمج داخل حزب الله الناشىء ككتلة حزبية كبيرة سبقت الجميع الى الدراسات الفكرية الدينية الجدية.. وتعتبر كتابات مرجعها الراحل السيد محمد باقر الصدر الذي أعدمته السلطات العراقية وشقيقته بنت الهدى عام 1980، هي مراجعها الفكرية والتثقيفية الدينية وأهمها على الاطلاق: ((اقتصادنا)) و((فلسفتنا))، وهذا الحزب توسع في انتشاره لبنانياً على ايدي رجال دين لبنانيين درسوا في النجف وعادوا الى لبنان حاملين دعوته وأفكاره وحركته التنظيمية.

 

ثم ان الشيخ نعيم قاسم هو أحد تلامذة السيد محمد حسين فضل الله الذي لا تكن له السلطات الحاكمة في ايران اي ود، ولا تتعامل معه كمرجع رغم انه الأوسع علماً والأجدر تقليداً والأبرز حضوراً في كل المحافل العلمية والدينية والسياسية.

 

والسيد فضل الله الذي كان وظل فوق كل الاحزاب، لم يبخل بالنصيحة على احد من اي مجموعة اسلامية حركية، وكان التصاق البعض به يلغي شبهة انتماء تنظيمي له عنده، او احياناً شبهة رئاسة تنظيمية له عليه.. وهذا امر لم يكن حقيقياً يوماً، ومع هذا فإنه كان يحرص على علاقة مستمرة مع تلامذته رعاية واعطاء مشورة ونصيحة.

واذا كان السيد فضل الله هو الذي عمم الحاج نعيم قاسم ليصبح بعدها شيخاً، وكلّفه إمامة الصلاة في مسجد بئر العبد عندما كان السيد يغادر الى الحج او زيارات عمل ودعوة اخرى، فإن كثيرين يؤكدون ان السيد فضل الله لم يبخل بالنصيحة على قادة حزب الدعوة في لبنان حين سألوه الإندماج في حركة حزب الله التي نشأت بعد الاجتياح الصهيوني للبنان.

هذه النصيحة التي سار بها حزب الدعوة اللبناني فالتحق بمعظمه بحزب الله كتلة واحدة باتت اليوم ذات شأن كبير داخل الحزب، لم تنـزل برداً وسلاماً على قادة عديدين في الحزب العراقي الأصل، الذي كان ايضاً واجه مشكلة اخرى في بلده مهدت ليصبح مجموعة احزاب ذات توجهات مختلفة:

 

1- فهناك مجموعة السيد مهدي الآصفي وهو من المؤسسين الاساسيين للحزب في العراق وهو من اصل ايراني وتوجه اسلامي ايراني ومقيم الآن في ايران.

 

2- وهناك مجموعة التوجه العربي التي انقسمت هي نفسها الى قسمين الاول يمثله رئيس وزراء العراق الحالي نوري المالكي، وهو توجه عربي دون عداء لإيران.

القسم الثاني يمثله الرئيس السابق لحكومة العراق ايضاً د. ابراهيم الجعفري الذي بدأ يظهر توجهاً ايرانياً على حساب عروبته (الجعفري شيعي افغاني).

 

3- مجموعة تنظيم العراق وهي اصغر المجموعات الدعوتية ويتركز وجودها في محافظة البصرة جنوبي العراق وثالث اكبر مدن بلاد الرافدين بعد بغداد والموصل.

النصيحة نفسها لم تنـزل برداً وسلاماً على مرشدي حزب الله الايرانيين الحريصين على ان يلتـزم الحزب نظرية ولاية الفقيه، لتقليد المرشد الايراني السيد علي خامنئي خاصة، وان الخامنئي يفتقد صفة المرجعية والتقليد داخل ايران، وهو يحتاجها خارجها، وليس ابرز من لبنان وشيعته ليتلقى التقليد ويصبح مرشداً وولياً للفقيه عند جماعاتها في لبنان وعلى رأسهم حزب الله.

 

فكيف اذا كانت هناك كتلة كبيرة داخل حزب الله لا تجهر مبايعة للولي الفقيه، لأن اساس ثقافتها ودراستها وقناعاتها الفكرية ثم ولاءاتها التنظيمية المضمرة لا تصب في طاحونة ولاية الفقيه الايرانية.

 

يقول مصدر اسلامي مقرب ومتابع لتجربة حزب الله منذ سنوات طويلة: هل تظنون ان اعلان السيد حسن نصرالله افتخاره بالولاء للولي الفقيه العادل الحاكم القوي (ويقصد السيد علي خامنئي) موجّه فقط الى ايران او الى خصوم حزب الله اللبنانيين الذين يأخذون عليه ولاءه لقيادة اجنبية وغير عربية كخامنئي.. كذلك.. بل انها في جزء منها كانت رسالة لجسم حزب الدعوة الكبير داخل حزب الله الذي يرمز له الآن الشيخ نعيم قاسم.. وفي مجال آخر يذكّر هذا المصدر بكلام هازىء قاله السيد نصر الله وعلناً ايضاً بأنه مستعد ان يتخلى عن الامانة العامة للحزب وان يعهد بها للشيخ نعيم نفسه.

لكن،

لماذا التحفظ.. او اذا صحت التسمية العداء الايراني لحزب الدعوة العراقي، رغم الاحتضان الواسع من ايران لهذا الحزب خلال حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

يقول المصدر الاسلامي الشيعي نفسه: لأن تأسيس هذا الحزب جاء لمواجهة حركة الامام الخميني المبكرة لتثوير الحالة الاسلامية عام 1961، وهي التي كانت بدأت تترك بصماتها في ايران والعراق ولبنان بتبنيه المبكر لقضايا فلسطين والمواجهة مع الغرب خاصة الولايات المتحدة الاميركية وربيبتها اسرائيل.

ورغم ان هناك تاريخين لتأسيس حزب الدعوة سابقين لتحرك الامام الخميني عام 1961، هما عاما 1957 و 1959 ولكل منهما اسبابه، فإن هناك اصراراً على ان التأسيس يطل ايضاً على مبرر مواجهة الامام الخميني، ويستدل المفسرون لقيام الدعوة في تلك الفترة على ذلك بالقول ان حزب الدعوة لم يكن ايجابياً حين لجأ الامام الخميني الى العراق، اثر فشل ثورته الاولى في 15 خرداد/حزيران/يونيو، وطرده الى تركيا لثمانية اشهر ثم اختياره النجف للاقامة فيها منذ 1964 حتى خروجه مكرهاً بقرار من الحكومة العراقية عام 1978 ومروره لعدة ايام في الكويت ومنها الى باريس /نوفل لوشاتو/ قبل عودته المظفرة يوم 1/2/1979.

 

لقد عمد حزب الدعوة مع مجيء الامام الخميني الى تجاهل تقليد الاعلم السيد ابو القاسم الخوئي لتقليد الامام محمد باقر الصدر، ولقطع الطريق على الاقتراب الشبابي من الامام الخميني.

ويضيفون بأن استقبالاً هائلاً جرى للخميني حين جاء الى النجف عام 1964، وتسابقت المراجع للترحيب به لكن حزب الدعوة كان يحض الشباب على تجاهل زيارة الامام الخميني او الدراسة عنده او حتى الصلاة خلفه.

 

وبعد انتصار الثورة، حرص ((الدعوتيون)) على الا يقلد أي عراقي او أي احد منهم الامام الخميني، لأن الامام الصدر كان في نظرهم الاهم علمياً وثقافياً وفلسفياً استناداً الى كتابيه ((اقتصادنا)) و((فلسفتنا)).

 

هنا يستطرد المصدر المقرب من حزب الله ليقول: ان السلطة العراقية في عهد الرئيس صدام حسين عمدت الى تعميم كتابي الصدر ((فلسفتنا)) و((اقتصادنا)) لتشير الى ان دعوة حزب البعث الى الاشتراكية لها اصول اسلامية كتب عنها السيد الصدر نفسه.

 

ويصل المصدر نفسه الى الاخطر بالقول: ان الجناح الثوري المتحمس في ايران غداة نجاح الثورة نجح في توريط الامام محمد باقر الصدر في مواجهة غير محسوبة مع النظام العراقي، وان هذا الجناح اخذ على عاتقه بث اخبار تحريضية ضد النظام من اذاعة عربية تبث من طهران موجهة ضد النظام العراقي، زاعماً فيها ان هناك ثورة اسلامية يقودها الامام الصدر ضد صدام حسين، وانها ستسقط نظامه في بغداد كما سقط نظام الشاه في طهران.. وان هذا المناخ دفع النظام العراقي الى اعتقال الصدر وشقيقته واعدامهما بعد محاكمة صورية سريعة.

 

لبنان مختلف

لكن الامور في لبنان كانت مختلفة تماماً عما كانت عليه في العراق حين نجحت ثورة الامام الخميني في ايران.. صحيح ان ايران واجهت حرباً ضروساً مع العراق بدءاً من 20/9/1980 حتى شهر آب/اغسطس 1988، الا انها وجدت في الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، فرصة لتثبت شعاراتها الثورية التي كان فرضها الامام الخميني وأبرزها دعوته لتشكيل جيش القدس من 20 مليون مقاتل.

 

كان مرور هذا الجيش حتمياً داخل العراق للوصول الى فلسطين عبر سوريا ثم لبنان، ولكن ايران كانت في حالة حرب مع العراق، ولم يكن ممكناً المرور عبر تركيا العضو في الحلف الاطلسي وحليفة اسرائيل.. فلم يكن سوى ما قاله سفير ايران في دمشق السيد علي محتشمي حين سمع امر الامام الخميني بأن يعمل على تشكيل حالة اسلامية ثورية تبدأ بقتال اسرائيل التي كانت اجتاحت لبنان عام 1982.

 

كانت الحالة الاسلامية في لبنان عبارة عن مجموعات اسلامية شيعية مبعثرة هنا وهناك.

صحيح ان ابرز هذه الحركات هي حزب الدعوة الذي اهتم في مراحله الاولى بالتثقيف وجذب الشباب المسلم الى صفوفه والدراسة عند ابرز مرجع ديني صاعد هو السيد محمد حسين فضل الله، الا ان تجربة ايران الثورة السابقة مع هذا الحزب في العراق لم تكن جيدة، ومع هذا فإن خضوع لبنان للاحتلال الصهيوني جعل ايران تقدم الاهم على المهم، فرعت تشكيل حالة اسلامية كبيرة من هذه التنظيمات الصغيرة المبعثرة وأبرزها حزب الدعوة فعاد الزملاء السابقون الذين باعدتهم الولاءات الحزبية اللبنانية بين حركة امل وحزب الدعوة والشباب المسلم والاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين وغيرهم للالتقاء في اطار حزب لم يطلق عليه بداية أي اسم بل تحرك تحت شعارات مختلفة.

 

القتال ضد اسرائيل + وجود قوة دعم ودفع وتدريب وتمويل وتسليح وتأهيل وتثقيف اسمها الحرس الثوري الايراني كانا وراء تشكيل هذا الحزب.

والبداية كانت من طهران، التي كانت تستضيف مؤتمراً للحركات التحررية بمناسبة يوم المستضعفين حضره السيد محمد حسين فضل الله والشيخ راغب حرب والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ سعيد شعبان والشيح احمد الزين.. حين جاءها نبأ بدء الاجتياح الصهيوني للبنان يوم 4/6/1982، فأعلن رئيس مجلس الشورى يومها الشيخ علي اكبر هاشمي رفسنجاني ارسال وفد عسكري سياسي الى دمشق ليبحث معها كيفية تقديم المساعدة لمواجهة هذا الاجتياح.

 

كان الوفد مؤلفاً من وزير الدفاع العقيد سليمي وقائد الحرس الثوري محسن رضائي وقائد القوات البرية في الجيش العقيد صياد شيرازي، وعقد بنتيجة لقاءاته مع حافظ الاسد اتفاقاً تاريخياً بين ايران وسوريا قضى بإرسال قوات ايرانية لتقاتل اسرائيل، وبالفعل لم تمض عدة ايام حتى كانت فرقة محمد رسول الله بقيادة احمد متوسليان وصلت الى دمشق (متوسليان هو احد ((الدبلوماسيين)) الاربعة الذين ضاعت آثارهم عند حاجز البربارة عام 1982 وهم اضافة اليه محسن الموسوي وكاظم اخوان وتقي رستكام مقدم).

والشيء بالشيء يذكر: ((اذ بعد عودة السيد محمد حسين فضل الله الى بيروت من دمشق تعرضت مجموعة من القوات لسيارة السيد وخطفته منها واستبقته عندها لمدة ثلاث ساعات قبل ان تتدخل شخصيات عالية المستوى محلياً وعربياً لاطلاق سراحه.

المهم،

 

ان دمشق يومها كانت تريد حلفاً مع ايران لتعزيز وجودها وموازنة وضعها المختل بعدة اعتبارات، لكن لم تكن تريد انتشار قوات ايرانية في لبنان لمقاتلة اسرائيل تحت أي ذريعة.

لذا،

 

اكتفت فرقة محمد رسول الله بأن ترسل الى لبنان مجموعة مدربين ومستشارين ورجال دين عقائديين، كانت اعدادهم تتصاعد حتى وصلت الى 800 ثم الحق بهم نحو 700 تمركزوا في البقاع بين بعلبك والهرمل، وتركز وجودها في مسجد الامام علي في بعلبك وفتحت باب التطوع بين ابناء المنطقة لمن يريد التدريب تمهيداً لارساله للقتال فكان اول المتطوعين السيد عباس الموسوي على رأس مجموعة من 180 متطوعاً بينهم عدد من رجال الدين من الحوزة الدينية في النبي شيت ومن خارجها.. وكان السيد حسن نصرالله من بينهم.

كان التدريب العسكري القاسي يتلاءم مع التثقيف العقائدي الصارم نحو ولاية الفقيه والالتزام بمبادىء الثورة الإسلامية في إيران نهجاً وأسلوباً وحركة.. بما كان يمهد فعلاً لنشوء حزب مهم أصبح هو نفسه حزب الله.

 

لم تكن المجموعات التي توافدت على معسكرات الحرس الثوري المنتشرة في البقاع من هيئة أو حركة أو مجموعة أو حزب واحد.. بل شراذم من هنا وهناك التقت كلها على هدف قتال إسرائيل والاقتراب من إيران.

 

وضع الإيرانيون في هذا المعسكر عنوانين للالتزام هما: مقاتلة إسرائيل والالتزام بولاية الفقيه، فكان لا بد من صهر الجميع تحت هذين العنوانين.. فكان ان التزمت الأغلبية وتخلى البعض ممن لم تكن نظرية ولاية الفقيه تستهويهم، أو لم تكن دراساتهم الفكرية والتزاماتهم الحزبية قد شكلت عقولهم وحسمت توجهاتهم.

 

بين النبـي شيت ودمشق

من داخل معسكر الحرس الثوري في بلدة النبـي شيت حيث قدّم السيد عباس الموسوي أرضاً لاستضافته، إلى دمشق حيث السفير الإيراني السيد علي محتشمي.. جرت مباحثات لتشكيل الحزب الذي أمر الإمام الخميني باعتماده ضمن الحالة الإسلامية لمناهضة العدو الصهيوني.. في دمشق وعلى طاولة غداء في منـزل السيد صادق الموسوي الذي كان أبرز وأنشط رجال الدين المناضلين لدعم الثورة الإسلامية في إيران.. ومن لبنان التقى السيد محتشمي مع الثلاثي الدعوتي: السيد عباس الموسوي، الشيخ صبحي الطفيلي والشيخ محمد يزبك، وجرت أول خطوات التأسيس للحزب.

 

تكررت اللقاءات بين دمشق وبعلبك في جامع الإمام علي ومدرسته والنبي شيت حيث معسكر الحرس الثوري.. وكلها كانت تبحث في تعزيز التحرك الإسلامي الثوري وعنوان مقاومة إسرائيل فاتفق على تشكيل لجنة من 9 أشخاص ضمت أعضاء من حركة أمل الإسلامية برئاسة السيد حسين الموسوي (الذي أعلن خروجه من حركة أمل برئاسة نبيه بري بعد قبوله الجلوس مع بشير الجميل في هيئة الانقاذ الوطني التي شكلها الرئيس الراحل الياس سركيس اثر الاجتياح الصهيوني للبنان..) وعدد من قادة حزب الدعوة في لبنان كما ورد ولجان مؤيدة للثورة الإسلامية في إيران تشكلت بعد قيامها..

 

بحثت هذه اللجنة في تشكيل تنظيم يصهر كل التشكيلات الإسلامية في بوتقة واحدة تحت العنوانين السابقين: القتال ضد إسرائيل الالتزام بولاية الفقيه. كلفت اللجنة التي حملت اسم شورى لبنان السيد عباس الموسوي مؤسس الحوزة العلمية في النبـي شيت، وأبرز قادة حزب الدعوة في لبنان وأول من خرج خطيباً يحمل مدفع الرشاش في أول احتفال في بعلبك ليوم القدس الذي دعا إليه الإمام الخميني.. أن يلتقي الإمام في قم، وليضع بين يديه خلاصة ما توصلت إليه المشاورات واللقاءات لإنشاء حزب يلبـي دعوته السابقة من خلال جيش الـ20 مليون لتحرير القدس.

حض الإمام الخميني الوفد على العمل دون أن يحدد له خارطة طريق، تاركاً التفصيل لحاجات الساحة..

وعلى طريق التأسيس ارتأى الملتقون في بعلبك ودمشق أن تتشدد الحركة في اتجاه صلب أكثر فتراجع عدد أعضاء اللجنة من 9 إلى 5 ظلوا جميعاً بعيدين عن الاضواء والاعلام وتحكم السرية حركتهم وفق أسلوب إيراني دقيق صارم.. كان يظهر بوضوح في تعاظم الحركة العسكرية والتدريبات والتشكيلات الأمنية البسيطة التي صارت فيما بعد أجهزة فائقة الأهمية والكفاءة.

 

صار اسم الشورى معروفاً في الأوساط الإسلامية وكانت أبرز نتائجه ان غابت نهائياً أسماء التشكيلات الإسلامية، مثل حزب الدعوة أو أمل الإسلامية أو اللجان الثورية الإسلامية، أو الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين..).. مع سرية شورى لبنان تم تعميم أسماء معينة معروفة بحركيتها على الجمهور والحركيين، فعرفت الناس من جديد ان هناك ما يجمع أسماء صبحي الطفيلي وعباس الموسوي وحسن نصرالله، ومحمد يزبك وابراهيم أمين السيد ونعيم قاسم ومحمد فنيش وحسين الموسوي وعفيف النابلسي وحسين كوراني.

كانت الملاحظة التي استوقفت كثيرين بعد بدء الربط بين هذه الأسماء تعدد الشخصيات البقاعية بينهم، في وقت كان فيه الاعتقاد ان الحركة الإسلامية الأهم هي حركة أمل وان أمل تعني الجنوب أكثر مما كانت تعني البقاع، ربما بسبب التركيز على حالة الجنوب في مواجهة العدو الصهيوني، والمعارك التي أدت إلى تدمير القرى وتهجير أهلها، إلى الضاحية الجنوبية لبيروت بعد العاصمة.

 

ثم تعززت هذه الملاحظة في مجيء أول أمين عام للتشكيل الذي حمل اسم حزب الله من البقاع هو الشيخ صبحي الطفيلي، تلاه السيد عباس الموسوي من البقاع أيضاً.. وقد أدت مجموعة عوامل فيما بعد لتجعل البقاع خزان المقاومة البشري كما خزان حزب الله، ويكاد نصف الذين سقطوا في مواجهة العدو الصهيوني في الجنوب من شباب البقاع ومقاتليه.

أما الملاحظة الأهم فهي ان الجنوب اللبناني الذي انخرط شبابه بالآلاف في صفوف المقاومة الفلسطينية ومنظماتها، لم يفقد حركة هؤلاء الشبان بعد ان ألزمت اتفاقية فيليب حبيب عام 1982 إخراج هذه المنظمات من لبنان، بل اتجه هؤلاء بالمئات إلى صفوف التشكيل الجديد.. خاصة بعد ان عجزت الحركة الأم أمل عن استيعابهم لا بل انها عمدت إلى معاقبة ومعايرة معظمهم كيف انهم كانوا يقاتلون في صفوف حركة فتح والجبهة الشعبية وغيرما من الفصائل الفلسطينية ولم يلتزموا حركة أمل التي تنتمي معهم للمذهب الشيعي نفسه.

كان أبرز الذين قاتلوا في صفوف حركة فتح وأصبح من الحرس الخاص للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عماد مغنية الذي وجد ضالته بعد خروج أبو عمار من لبنان في صفوف هذا التشكيل فتلقفه وصعد معه وبه حتى صار رجله الأول في لبنان قبل أن يغتاله العدو الصهيوني في مربع الاستخبارات السورية يوم 12/2/2008 في دمشق.

 

من أطلق تسمية حزب الله؟

حسب رواية السيد صادق الموسوي الوثيق الصلة بحركة إنشاء الحزب والذي كان صديقاً مقرباً وما زال من السيد علي محتشمي والرئيس السابق السيد محمد خاتمي والشيخ رفسنجاني، فإن تسمية حزب الله جاءت بالمصادفة البحتة..

 

يروي السيد صادق ان شباناً كانوا يدهنون حيطان مدرسة مسجد الإمام علي أحد مقرات الحرس الثوري الإيراني عام 1982، تمهيداً لكتابة شعارات ثورية إسلامية عليها، وان شعارات القدس والأقصى والثورة طغت على معظم الحيطان ولم يبق إلا حائط واحد فارغ من الكتابة، فسأله أحد الشبان ماذا نكتب على هذا الحائط يا سيد، فأجابه الموسوي: اكتب حزب الله، وان هذه العبارة الجميلة السهلة المحببة استهوت كثيرين وهي مستمدة من الآية الكريمة ألا ان حزب الله هم الغالبون فصارت على ألسنة الشبان والمارين تعبيراً عن مكان وحضور ورواد المسجد والمدرسة.. وكلهم من الذين تدربوا وتثقفوا والتقوا لتشكيل التنظيم الثوري الذي صاره.. فغلب الاسم على الجماعة حتى حملوه اسماً لحزبهم.

 

ويروي السيد صادق أيضاً ان أول مبلغ تقاضاه الحزب من الحرس الثوري كان 40 ألف دولار أميركي حمله إليه شباب عرب من الاهواز التي تشكل مع الفرس والأكراد والبلوش والآذريين دولة إيران، وان إرسال هؤلاء الشبان العرب ضمن الحرس الثوري إلى لبنان كان مقصوداً كي يسهل التفاهم مع العرب اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين