د. سعود المولى المفكر والكاتب والأستاذ الجامعي يشرع مفهوم ولاية الفقيه

 

المولى: ولاية الفقيه مسألة فقهية تدبيرية لا علاقة لها بالعقيدة.. وأستغرب صمت كبار رجال الدين الشيعة على كلام السيد نصرالله

ولاية الفقيه ليست ابداً من العقائد التي يكفر المسلم ان خالفها او خرج عنها

تحويل مسألة ولاية الفقيه الى قضية اعتقادية اي الزعم انها من صلب ما يؤمن به المسلم الشيعي ويسلم بانه من أصول الدين وأركانه يضرب دستور لبنان وثوابت عيشه المشترك والمواطنة والديمقراطية والحرية فيه.

علماء الشيعة رفضوا مبدأ ولاية الفقيه نيابة عن الامام المهدي ولاية مطلقة، واختاروا للفقيه ولايات محدودة بحدود دور المصلح الاجتماعي والناصح والقاضي والشيخ المفتي وهم اختلفوا حتى على حدود تلك الولايات.

لم يكتب أحد من فقهاء الشيعة على مر التاريخ يدعو الى الولاية المطلقة للفقيه باستثناء ما ورد عند الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي (ت. 1245هجرية) الذي أخذ عنه الامام الخميني القول بأن "كل ما كان للنبي والامام فيه الولاية.

البطريرك صفير هو الذي دعا عام 1993 الى القمة الروحية الجامعة التي أصدرت موقفاً وطنياً جامعاً في حفظ المقاومة والدفاع عن الجنوب.. وحين كان مطرانًا هو الذي أسّس مع الامام الصدر هيئة المحافظة على الجنوب"

 

محمد الضيقة/الجمعة 19 حزيران 2009/لبنان الآن

 

استغرب الدكتور سعود المولى في حديث لـnowlebanon.com "صمت العلماء الشيعة وكبار رجال الدين وعلى رأسهم السيد محمد حسين فضل الله والشيخ عبد الامير قبلان وكل قضاة الشرع والمفتين"، ازاء ما قاله السيد حسن نصرالله في خطابه الاخير من أن "ولاية الفقيه هي جزء من عقائد الشيعة وأن المس بها أو التحدث عنها هو مساس بالعقيدة والدين".

 

د. المولى (وهو مفكر وكاتب واستاذ جامعي عمل مستشاراً لإمام الشيعة الشيخ محمد مهدي شمس الدين وشارك في تأسيس المؤتمر الدائم للحوار اللبناني والفريق العربي للحوار الاسلامي المسيحي) قال إن "السيد نصرالله يعلم قبل غيره ان نظرية ولاية الفقيه العامة هي نظرية فقهية لا اعتقادية اي انها من الاحكام التدبيرية التنظيمية التفصيلية التي اختلف ويختلف حولها المسلمون الشيعة منذ غيبة الامام المهدي (عليه السلام) ... ومن هنا فتح باب الاجتهاد"/مؤكدًا أن "تحويل مسألة ولاية الفقيه الى قضية اعتقادية (اي الزعم انها من صلب ما يؤمن به المسلم الشيعي ويسلم بانه من أصول الدين وأركانه) يضرب أيضا دستور لبنان وثوابت عيشه المشترك والمواطنة والديمقراطية والحرية في لبنان... إذ هو يرفع سيف الارهاب والتكفير في وجه كل من رفض ويرفض ولاية الفقيه وهم في الحقيقة والواقع الغالبية العظمى من المراجع والعلماء عند الشيعة في ايران ولبنان والعراق وبقية البلدان...وعلى مر العصور".

 

وأوضح د. المولى أن "علماء الشيعة رفضوا مبدأ (ولاية الفقيه نيابة عن الامام المهدي ولاية مطلقة)، واختاروا للفقيه ولايات محدودة بحدود دور المصلح الاجتماعي والناصح والقاضي والشيخ المفتي.. وهم اختلفوا حتى على حدود تلك الولايات: فمنهم من جعلها تشمل الخمس والزكاة وصلاة الجمعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومنهم من جعلها محدودة للغاية في امور لا علاقة لها بأية ولاية أمر على الناس تطبيقاً للمقولة التي كان يرددها شمس الدين: لا ولاية لأحد على أحد خصوصاً لجهة رفض استعمال القوة بما يؤدي الى اراقة الدماء لأن تنفيذ الحدود واقامتها هي من مهمات حكومة العدل الالهي، وبما أن تأسيس هكذا حكومة هو من حق المعصوم وحده علق الامامية تنفيذ الحدود زمن الغيبة (وارتضوا بأحكام الدول القائمة عملا بالتقية التي تعني الاندماج في أوطانهم والمشاركة الكاملة مع اخوانهم في الوطن، وعلى قاعدة قول الامام علي في وجه شعار الخوارج: لا حكم الا لله... نعم لا حكم الا لله..

ولكن هؤلاء يقولون لا امرة الا لله.. والحال انه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في امرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر..الخ..).

 

ولم يكتب أحد من فقهاء الشيعة على مر التاريخ يدعو الى الولاية المطلقة للفقيه باستثناء ما ورد عند الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي (ت. 1245هجرية) الذي أخذ عنه الامام الخميني القول بأن "كل ما كان للنبي والامام فيه الولاية، وكان لهم، فللفقيه ايضاً ذلك الا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما.. ان الفقهاء هم الحكام في زمن الغيبة والنواب عن الائمة.. ان ما هو دليل الامامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الامر.. الفقهاء أوصياء للرسول من بعد الائمة وفي حال غيابهم، كلفوا بجميع ما كلف الائمة القيام به..

 

ان للفقيه العادل جميع ما للرسول والائمة مما يرجع الى الحكومة والسياسة.. اذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فانه يلي من أمر المجتمع ما كان يليه النبي منهم ووجب على الناس ان يسمعوا له ويطيعوا... ويملك هذا الحاكم من أمر الادارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين على ما يمتاز به الرسول والامام من فضائل ومناقب خاصة". (مقتطفات من كتاب الحكومة الاسلامية-دار الطليعة-بيروت-1979). وقد استند الخميني كما النراقي من قبله إلى روايتين لا غير من المروي عن الأئمة: الأولى وتسمى مقبولة عمر بن حنظلة وفيها أن الإمام جعفر الصادق أفتى انه في حال اختلاف اثنين من الشيعة في أمر "ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكماً"... والثانية تسمى مشهورة أبي خديجة وفيها عن الإمام المهدي: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"...

 

وبحسب من رفضوا ولاية الفقيه المطلقة فان الحديثين لا يشيران أبدا إلى الولاية السياسية أو الحكم المطلق للفقهاء وإنما إلى مرجعية فقهاء الشيعة من أصحاب العلم والعدالة والكفاءة للحكم بين المتخاصمين وللفتيا بين الناس... وهنا فرق بين المرجعية والولاية، ذلك أن أئمة أهل البيت شكلوا المرجعية الدينية للناس في معرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها.. وفي زمن الغيبة الصغرى كان النواب أو السفراء الأربعة هم المراجع الكبار للشيعة.. وفي زمن الغيبة الكبرى الممتدة إلى اليوم صار الفقهاء العلماء العدول الأكفاء هم المراجع.. "من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه" (عن الإمام الحسن العسكري). أما الولي الفقيه فهو "الذي بيده إدارة المجتمع الإسلامي والدولة ويشمل ذلك الأحكام القضائية والتشريعية والجهاد والحرب والصلح وحفظ النظام..

 

والولي الفقيه هو مصدر السلطات كلها من تشريعية وقضائية وتنفيذية.. وولايته تشمل كل المسلمين في العالم حتى خارج حدود دولته التي يقيمها وله أن يعين وكلاء وولاة عنه في سائر البلدان حتى تلك التي لا تخضع لنظام ولاية الفقيه.. وهؤلاء لا يجوز مخالفة أوامرهم ووجبت الطاعة والتسليم لهم".

 

وبحسب الدكتور سعود المولى فإنه "حتى في هذا الاعتبار الذي يتبناه حزب الله فإن ولاية الفقيه ليست ابداً من العقائد التي يكفر المسلم ان خالفها او خرج عنها.. ان القول بان نظرية فقهية وأحكام تنظيمية تدبيرية للمجتمع هي بمثابة عقيدة هو تعسف غريب لا أدري كيف يمكن قبوله، وكيف اذا كان شعب ايران العظيم، ورجال ثورة الامام الخميني الكبار، ممن كانوا يؤمنون بولاية الفقيه الثورية، يتصدون اليوم لقرارات الولي الفقيه القائد، فهل هم من الكفار والخوارج والعياذ بالله"، ودعا الدكتور المولى الى "التسامح في الافكار والمواقف والى الحوار والى قبول الآخر المختلف وقبول مقتضيات حق الاختلاف وخصوصاً حرية الرأي والتعبير، وهو رأى في ما يحصل اليوم في ايران الدليل الاكبر على أن ولاية الفقيه لا تحظى بقبول حتى في بلد المنشأ فكيف في لبنان والعراق وغيره".

 

من جهة أخرى رأى المولى أن كلام السيد نصرالله عن البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير "فيه من التجني والظلم غير المبرر الا ان كان من باب تبرير خسارة الانتخابات التي وعدوا بها جمهورهم"، وأضاف انه "لا داعي اليوم لاستمرار التخوين والتشهير والشحن والتوتير، في حين يعمل الحزب وامينه العام، وتعمل ايران الخامنئي ونجاد، قبل الموسوي وخاتمي ورفسنجاني وكروبي، على التهدئة مع العرب ومع الغرب..

 

ويلتقي السيد نصرالله بالنائب جنبلاط، ويلتقي قادة الحزب بالرئيس كارتر وبالسفيرة البريطانية وبغيرها من سفراء اوروبا، ويتحدثون عن حكومة وحدة وطنية وعن طي صفحة الماضي، اما من حيث المضمون فلا بد من التذكير أن البطريرك صفير هو الذي دعا في 2 آب 1993 الى القمة الروحية الجامعة الاولى والاخيرة من نوعها وحجمها في تاريخ لبنان حيث حضرها رؤساء كل الطوائف اللبنانية الثمانية عشرة يتقدمهم الامام شمس الدين والمفتي قباني، وأصدروا موقفاً وطنياً جامعاً في حفظ المقاومة والدفاع عن الجنوب وهو الموقف الذي اعطى الشرعية الوطنية والدولية للمقاومة وتكرس لاحقا بتفاهم نيسان الذي رعاه البطريرك صفير مع الرئيس الحريري.. ومن الغريب ان ننسى ان اتفاق الطائف الذي اعطى الشرعية للمقاومة هو من انجازات البطريرك والزعماء المسيحيين الذين وقفوا يومها معه باستثناء العماد ميشال عون حليف حزب الله اليوم، كما أن البطريرك صفير هو الذي اسس (وكان مطرانا) مع الامام الصدر هيئة المحافظة على الجنوب".

 

وختم الدكتور المولى حديثه بالإعراب عن أمله في أن "ينهج حزب الله نهج التواضع والرحمة مع اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم".