لبنان: حزب الله والمواجهة المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران

بقلم الدكتور جوزيف حتي

استضاف مقدم البرامج السياسية المعروف في محطة سي أن أن الأميركية، ولف بليتزر، يوم الأحد الموافق 9/4/2006 الصحافي في مجلة نيويوركر، سيمور هارش، وناقشه في شأن مقالة له نشرت قبل أيام كان نسب فيها لمصادر موثوقة جداً في البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية قولها أن إدارة الرئيس بوش تدرس  خيار اللجوء إلى القيام بضربة هجوم نووي ضد مواقع المفاعل النووية الإيرانية وذلك لسبين رئيسيين:

1- أعطت الولايات الأميركية المتحدة في العام 2004 دول الاتحاد الأوروبي مهلة سنتين لإيجاد حل مرض للمأزق الإيراني النووي عن طريق القنوات الدبلوماسية، استجابة لإصرار لافت من تلك الدول التي كانت في حينه تتأفف وتتذمر من محاذير العجلة التي اتبعتها واشنطن في شن حربها على العراق.

هذا وعلم أن الدول الأوروبية قد تراجعت عن هذا المنحى بعد أن فشل فشلاً ذريعاً نتيجة لرفض إيران لكل الخيارات والطروحات السلمية. لقد توصل المجتمع الدولي إلى قناعة جماعية مفادها أن إيران مصممة على إنتاج قنبلة نووية، في حين أن أجهزة المخابرات كافة تتوقع أن يتم الانجاز الإيراني هذا في فترة زمنية تتراوح بين 8 إلى 10 سنوات.

2-إن المواقع الإيرانية النووية موجودة في أماكن متفرقة من إيران، وطبقاً لأجهزة المخابرات الأميركية إن أكثرها خطراً يقع في سراديب محصنة تحت الأرض على عمق 75 قدم وفي منطقة شديدة التصخر.

هذا التموضع الحصين يعني بالمفهوم العسكري أن الأسلحة التقليدية كافة وحتى أشدها فتكا وقوة بما فيها الصواريخ ذات القوة الاختراقية الهائلة ستكون غير ذي فاعلية تذكر في تدمير المواقع الإيرانية من خلال عملية تقليدية واعتيادية.

يشار إلى أن الهدف الرئيسي لعمليات من هذا القبيل هو رفع المعدلات التدميرية للقنابل المنوي استعمالها إلى حدها الأقصى. إن الولايات المتحدة تعلم جيداً أنه ليس في ترسانتها العسكرية التقليدية حالياً أي نوع من السلاح بالإمكان استعماله لإنجاز هذه المهمة الصعبة والخيار الوحيد المتوفر والقادر على تدمير الأهداف المستهدفة هو السلاح النووي.

أشار الصحافي سيمور هارش في مقالته إلى أن خطط مهاجمة مواقع مفاعل إيران النووية هي في مراحلها النهائية وأنها تحتاج فقط لأمر مباشر من الرئيس الأميركي لتنتقل إلى مرحلة التنفيذ.

كما علم من جانب أنه في الفترة الأخيرة وخلال المناقشات التي كانت تتابع بين مسؤولي البيت الأبيض ووزارة الدفاع لوضع اللمسات الأخيرة على الخطة، طلب فريق العمل المشترك استبعاد الخيار النووي عن الطاولة إلا أن البيت الأبيض رفض الطلب وأصر على الإبقاء عليه.

من الملفت هنا أن الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني قد حافظا في سائر خطاباتهم ومنذ مدة غير قصيرة على موقفهما المتشدد ضد البرنامج الإيراني النووي مؤكدين ودون أدنى شك أن المواجهة بين المجتمع الدولي وإيران تسلك وبسرعة كبيرة طرق الخيار العسكري.

إضافة إلى أن المراقبين السياسيين المطلعين قد دأبوا في شرح مفهوم الرئيس بوش وسبل التعامل الجاد مع هذا الملف الخطير، ومفاده أن فترة السنتين المتبقية من رئاسته لا بد وأن تكون حاسمة بنتائجها، وهو وبالتالي مصمم وبعناد على تتويج حقبه حكمه بإغلاق ملف البرنامج الإيراني النووي بالقوة العسكرية.

إنه يطمح ليكون الرئيس القوي الذي حارب الإرهاب وانتصر عليه دون منازع، كما أنه مصمم على أن يدون في ُسجله هذا الانجاز ليس فقط للتاريخ وإنما أيضاً للأجيال القادمة.

يشار هنا على إنه لا توجد أية إمكانيات دستورية لتجديد ولايته لمرة ثالثة، وبالتالي فهو غير ملزم بأية ضوابط انتخابية قد تحد اندفاعه لإقفال الملف الإيراني بما يراه متوافقاً مع خططه والتطلعات.

ففي حال كان هذا هو المنحى الذي ستبت من خلاله الأمور المأزومة بين إيران والمجتمع الدولي، فماذا عن لبنان، وبالتحديد ماذا عن حزب الله؟ إنه وبنتيجة التواصل الوطيد بين ما يحصل في لبنان وانعكاساته على جاليات الانتشار اللبنانية وفي مقدمها  جاليتنا في الولايات المتحدة فإن مساحات ومعدلات الاسترخاء لدى أفرادها آخذة في الانكماش أكثر فأكثر كون مستقبل حزب الله لا يزال يكتنفه الغموض من خلال نتائج جلسات الحوار اللبناني اللبناني الغير واضحة النهايات حتى الآن.

علماً أن الغالبية العظمى من أفراد جاليتنا يؤيدون بقوة التوصل إلى الحلول الناجعة مع حزب الله عن طريق التفاوض والتوافق بحيث يسلم سلاحه للدولة، ينخرط بالعمل السياسي والمدني السلمي مثله مثل باقي الأحزاب اللبنانية، ويقطع علاقاته العسكرية بإيران.

من الواضح للجميع أن قناعاتنا بهكذا حلول تضعف يوماً بعد يوم كما أن مهمة نقل هذه القناعات للمجتمع الأميركي تزداد صعوبة لدرجة الاستحالة في حال استمر الحال في لبنان على ما هو عليه والأخطر في حال وقوع مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

إن الخيار النووي يجعل التأفف والانكماش أقرب إلى الشعور بالغثيان الشديد. إن ما يريح ويفرح الجاليات اللبنانية في العالم عموماً وفي الولايات المتحدة تحديداً هو نجاح جلسات الحوار اللبناني اللبناني في إقناع حزب الله الإعلان ودون تردد عن قطع علاقاته مع إيران وإحلال الهوية الوطنية اللبنانية الصرفة مكانها ومن ثم الانخراط في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية سلمياً وتحت مظلة الدستور والقوانين المرعية الشأن.

إن ما نرفضه ولا يريده المحبون للسلام في وطننا الأم وفي بلاد الانتشار على حد سواء هو محاذير جر حزب الله لبنان إلى وسط أتون الصراعات الإقليمية وخصوصاً الصراع مع الولايات المتحدة.

يبقى أن كل الدلائل والوقائع تشير إلى أن إيران تسلك مسلكاً تصادمياً مع كل من الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي مع احتمالات مؤكدة وقوع كوارث في المنطقة (الشرق الأوسط)

من هنا فإن المطلوب الآن وبسرعة أن تتحرك بفاعلية وتصويب محدد المجموعات اللبنانية كافة (في لبنان كما في بلاد الانتشار)، التي ساندت مبدأ إعطاء حزب الله مخارج إستراتجية مقبولة ومرضية عن طريق الالتزام بآلية مشرفة لتنفيذ القرار الدولي رقم 1559.

المطلوب منها إقناع حزب الله استعمال لغة ليس فيها أي لبس أو غموض لجهة إعلان ابتعاده عن إيران وفك ارتباط لبنان بالصراع العربي الإسرائيلي بما يتوافق مع رغبات المجتمع الدولي، والأهم مع إرادة وتطلعات وأماني الشعب اللبناني الذي تعب من خوض غمار حروب الآخرين على حساب أمنه واقتصاده وراحته وتقدمه ومستقبل أجياله.

 

بوسطن، ماساتشوسبس

11 نيسان 2006