مقابلة من جريدة السياسة مع الوزير والنائب السابق عبد الحميد بيضون

*النفوذ الإيراني في المنطقة منع المصالحة الفلسطينية

*مصر لا يمكن أن تقبل وجود إيران في غزة"

*حزب الله" لم يطلق رصاصة على إسرائيل منذ 2006 لأنه يخشى رد فعل الجنوبيين

*بري معروف عنه أنه رجل سلطة وليس رجل دولة

*جنبلاط دخل مرحلة تصريف الأعمال وكل همّه تأمين انتقال الوراثة السياسية لنجله تيمور *وزيارته لسورية أصبحت في مراحلها النهائية

*بري تحول إلى لاجئ عند "حزب الله" والمسألة الوحيدة التي نجح فيها توحيد المسيحيين

*نعم.. بري يبحث عن دور وطرحه إلغاء الطائفة السياسية لا يتمتع بمصداقية وأتوقع سحب مشروعه من التداول

*زيارة الحريري إلى سورية أوجدت عامل ثقة بينه وبين الأسد

 

السياسة 31 كانون الثاني/2010

بيروت - صبحي الدبيسي

 

رأى الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون "ان التحرك الاخير في لبنان لمسؤول حركة "فتح الانتفاضة" (سعد موسى) أبو موسى مرتبط بالدور الأميركي في المنطقة, مرده إلى بطء تحسن العلاقات السورية الأميركية, والمعروف أنه أتى من الشام ولم يأتِ من مكانٍ آخر. وأنه تعمد إهانة اللبنانيين والانتقاص من السيادة اللبنانية بقوله, إن السلاح الفلسطيني شأن لبناني. وإن المشكلة ليست بالذين أرسلوا "أبو موسى", بل بالذين استقبلوه في لبنان", وقال إن "رد فعل الحكومة على هذه الزيارة كان ضعيفاً جداً وكان عليها اتخاذ إجراءات بحقه".

 

بيضون وفي حوار أجرته "السياسة" معه, رأى أن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إلى سورية, أوجدت عامل ثقة بينه وبين الرئيس بشار الأسد, متمنياً أن تسهم ببناء علاقة طبيعية تؤدي إلى تكامل دورهما في المنطقة, ورافضاً نظرية وزير الخارجية الفرنسي بيرنار كوشنير بشأن تورط "حزب الله" بالحرب مع إسرائيل بغير الصحيحة, لأنه منذ ثلاث سنوات ونصف السنة لم يطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل, لأنه يحسب ألف حساب لاي عملية ضد إسرائيل. ولأن لبنان لا يحتمل أي مغامرة. وإن الجنوبيين يقولون ل"حزب الله" حتى الآن لم تعُد لنا بناء ما تهدم.. وإن "حزب الله" ليس جيشاً للدفاع عن إيران, وهو موجود للدفاع عن لبنان. وأن علاقة سورية بإيران لم تغير التواجد السوري الأساسي في قلب الأمة العربية. رغم السؤال عما إذا كانت تساعد على امتداد النفوذ الإيراني في المنطقة, مطالباً بعقد قمة عربية لتوحيد الموقف العربي من إيران, ومطالباً إيران من جهة ثانية بأن تقيم علاقة مع لبنان من دولة لدولة, وليس عبر الطوائف والأحزاب وإذا كانت تريد تقديم صواريخ للبنان, فيجب أن تقدمها للجيش اللبناني وليس ل"حزب الله".

 

بيضون رأى أن تركيا التي تتعاطى مع العرب من خلال المصالح الاقتصادية, بينما إيران تتعامل مع المنطقة من خلال الملف النووي, وتقول للعرب إنها أصبحت دولة نووية, وعليهم احترامها على هذا الأساس. وهذا أحد أسباب الخلاف المصري ا- لسعودي من جهة والسوري من جهة ثانية. وأن النفوذ الإيراني في المنطقة منع المصالحة الفلسطينية, وعلى هذا الأساس لا يمكن لمصر أن تقبل بوجود إيران في غزة.

 

وفي موضوع طرح رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لإلغاء الطائفية, رأى بيضون أن بري يبحث عن دور سياسي لا أكثر, وأن طرحه لا يتمتع بمصداقية والمسألة الوحيدة التي نجح فيها هي توحيد المسيحيين ضده, متوقعاً سحب مشروع من التداول قريباً, مذكراً بأن بري تحول إلى لاجئ عند "حزب الله". وأن السيد حسن نصر الله هو من يتخذ القرارات. وأن وليد جنبلاط دخل في مرحلة تصريف الأعمال وكل همه من المصالحات تأمين انتقال الوراثة السياسية لنجله تيمور, وأن زيارته إلى سورية أصبحت في مراحلها النهائية, مشدداً على أن "14 آذار" تفتقر عنصرين: الأول برنامج تصحيح سياسي لمفهوم السيادة والاستقلال, والثاني وجود "حزب الله" كحزب مسلح, لافتاً إلى أن خطأ "حزب الله" اعتبار كل من يطالب بسيادة لبنان هو مع المشروع الأميركي. وقال إن العماد عون اليوم مرفوع على حاملة شيعية, وليس مرفوعاً على حاملة مسيحية, وإن ظاهرته لم يعد لها مستقبل, معتبراً أن "حزب الله" وإن لن يقبل بالحل اللبناني, لأنه يعتبر نفسه جزءاً من اللعبة الإقليمية. وإن سلاحه سيبقى موجهاً إلى الداخل, وإنه وحلفاءه نقلوا البلد من اتفاق الطائف إلى "اتفاق الدوحة". وهذا نص الحوار:

 

ما تفسيرك لتصريحات مسؤول "فتح الانتفاضة", وما سر توقيت الجولة التي قام بها على بعض القيادات اللبنانية؟

أعتقد أن التوقيت مرتبط بالدور الأميركي في المنطقة, خصوصاً بعد تعثر عملية السلام والتباطؤ بإطلاق هذه العملية, وأيضاً هناك بطء في تحسن العلاقات السورية - الأميركية. والمعروف أن "أبو موسى" أتى إلى لبنان من الشام ولم يأتِ من مكانٍ آخر, وأطلق هذا الكلام. ويبدو أن الجزء الأساسي منه هو رسالة للأميركيين, مفادها أن القرارات الأساسية في المنطقة تؤخذ من سورية, وليس من مكانٍ آخر. وهنا - برأيي - مسؤولية اللبنانيين وخصوصاً الذين استقبلوا "أبو موسى", لأنه تعمد إهانتهم ولم يكتفِ بالانتقاص من السيادة اللبنانية, بقوله السلاح الفلسطيني هو شأن فلسطيني, مع أن هذا السلاح موجود على الأرض اللبنانية. هناك إهانة واستخفاف بجميع اللبنانيين. فالمشكلة ليست بالذين أرسلوا, بل بالذين استقبلوا "أبو موسى". وطبعاً رد فعل الحكومة كان جداً ضعيفاً. فبدل أن تؤكد الحكومة على قرارات طاولة الحوار, كان عليها اتخاذ إجراءات بحق "أبو موسى", مع الأسف ما زال اللبنانيون يتصرفون وكأن اللعبة السياسية أكبر منهم وهم ليسوا شركاء فيها. وطالما أنهم يتصرفون على هذا الشكل, سيبقى لبنان ساحة لتبادل الرسائل بين مختلف المحاور.

 

ما هذه الإجراءات, وهل تصل إلى منع الزيارة؟

الحكومة تختار الإجراءات المناسبة, باعتبار الحكومة مسؤولة عن مؤسسات البلد. والمؤسف أن "أبو موسى" تابع جولته وكأن شيئاً لم يكن.

 

كيف تفسر كلام الأمين العام ل"حزب الله" بأن السلاح الفلسطيني يتطلب حواراً لبنانياً - فلسطينياً, طالما أن هذا الموضوع متفق عليه على طاولة الحوار بحضور "حزب الله"؟

"حزب الله" تعهد سابقاً بقيادة هذا الحوار, ونتمنى الالتزام بتعهده, لأن قرار نزع السلاح يجب أن يطبق بأسرع وقت. ونتمنى على "حزب الله" متابعة هذا الحوار إذا كان لديه إطار معين للحوار, ثم يأتي بالنتيجة للحكومة اللبنانية.

 

هل تعتبر الحوار اللبناني- السوري قد بدأ من خلال زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى سورية، ولماذا ما زالت الاتصالات بين البلدين في بداياتها؟

زيارة الرئيس سعد الحريري إلى سورية, زيارة مصالحة شخصية, والرئيس الحريري قال إنها تندرج في إطار المصالحات العربية. هذه المصالحة الشخصية لامست بطريقة بسيطة الملفات الأساسية, إنما لم تعالج هذه الملفات, لأن العلاج سيأتي بطريقة لاحقة. ما نستطيع قوله إن هذه الزيارة أوجدت عامل ثقة بين الرجلين, والرجلان محكومان بالعلاقة مع بعضهما البعض لأنهما بعمر الأربعين وبإمكانهما أن يستمرا بالحكم عشرات السنين. هذه العلاقة ما زالت في بدايتها, ونتمنى أن تبقى عوامل الثقة موجودة, بما يسمح للبلدين ليس لبناء علاقات طبيعية مع بعضهم بعضاً, بل ليكون دورها في المنطقة دوراً متكاملاً كل بإطاره. وهذا الأمر يتطلب وقتاً بانتظار النتائج.

 

هل يمكن تفسير زيارة "أبو موسى" للبنان بانها رسالة للرئيس الحريري؟

أعتقد أن الحديث بين الرئيسين الأسد والحريري تطرق إلى النقاط الخلافية بين البلدين, والمهم ألا تستخدم سورية لبنان ساحة لتبادل الرسائل.

 

ما تعليقك على كلام وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بشأن إمكانية قيام إيران بمغامرة تجاه الدول الغربية, ما يضطر "حزب الله" لخوض المعركة مكرهاً؟

لا أظن بأن هذه النظرة صحيحة, لأن "حزب الله" منذ انتهاء حرب يوليو عام 2006 حتى اليوم اي منذ ثلاث سنوات ونصف السنة, لم يطلق اي طلقة باتجاه إسرائيل, لأنه ملتزم وقف إطلاق النار وعدم القيام بأعمال عسكرية. قد يكون "حزب الله" موجوداً في الجنوب, لكنه ليس بشكل مسلح. في منطقة جنوب الليطاني, يتواجد الجيش اللبناني وهو معروف دولياً, بأنه مسؤول عن هذه المنطقة وتؤازره القوات الدولية. ولا أعتقد كما ذكر كوشنير, إذا "حزب الله" بدأ بأي عملية عسكرية يحسب لها ألف حساب, لأن لبنان لا يحتمل اي مغامرة من أي نوعٍ كان. والمواطنون الجنوبيون يقولون ل"حزب الله": حتى الآن لم تعد لنا بناء ما تهدم والوضع لا يُحتمَل بالنسبة لتعرض إيران لعدوان اسرائيلي, أو حتى أميركي, فإيران تعرف كيف تدافع عن نفسها ونحن لسنا موجودين هنا خط دفاع عن إيران.

العلاقة بين "حزب الله" وإيران, علاقة ليست على أساس "حزب الله" جيش إيراني, "حزب الله" موجود للدفاع عن لبنان. خارج هذا الإطار لن يحظى بتأييد أي لبناني أو أي جنوبي. الجنوبيون لا يقبلون أن يكون "حزب الله" جيش دفاع عن إيران. "حزب الله" للدفاع عن لبنان والدفاع عن إيران يخص الشعب الإيراني وحده.

 

هل نجح الغرب برأيك, بفصل المسار السوري عن المسار الإيراني؟

العلاقة بين إيران وسورية لم تغير التواجد الأساسي لسورية في قلب الأمة العربية. سورية ما زالت تقول, إن خيارها الأساسي هو السلام من ضمن المبادرة العربية وتريد رعاية أميركية. وهذا الخط مختلف عن الخط الإيراني.

 

السؤال الكبير: هل سورية تساعد على امتداد النفوذ الإيراني؟

سورية تنفي ذلك. وتحصل على مساعدة من إيران وليست بحاجة لها لبسط نفوذها في المنطقة, بينما السعودية تقول, نعم سورية تساعد إيران على امتداد نفوذها في المنطقة. نحن رأينا يجب عقد مؤتمر قمة عربية لتوحيد الموقف العربي من إيران أو التفاهم مع إيران أو فتح حوار معها, لمعرفة إذا كان لها امتداد مضر بالمنطقة العربية وبالمصالح العربية. المطلوب اتفاق عربي - عربي وهذا الاتفاق غير موجود. لكن لا تزال وجهة النظر السعودية - المصرية بالنسبة لإيران مختلفة عن وجهة النظر السورية. وأخيراً العلاقة السورية - الإيرانية, يجب أن توظف لمصلحة القضية العربية, كيف يكون ذلك, هذه مسؤولية العرب. نحن في بلدنا نريد أن تقيم إيران مع لبنان علاقة من دولة لدولة, كل العرب يقولون لإيران, علاقتك مع العرب يجب أن تمر عبر الدول. لا تستطيع إيران أن تأتي إلى سورية وتختار فئة من الفئات لتساعدها وتطلب إليها إنشاء ميليشيا وتدربها وتمدها بالمال والسلاح, هذا الأمر لا يمكن حصوله, فكما أن إيران تحترم الدولة السورية, عليها احترام الدولة اللبنانية واحترام السلطة الفلسطينية.

 

برأيك لِمَ يجمع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز, الرئيسين حسني مبارك وبشار الأسد? وهل سورية استعاضت عن مصر بالشريك التركي؟

العلاقة السورية - التركية تحكمت فيها مرحلة العزلة السورية, ساعدتها على الخروج من عزلتها, وهي علاقة مفيدة للمنطقة. الفارق الأساسي, أن تركيا تتعامل مع المنطقة من خلال المصالح المشتركة, بلغة الاقتصاد وتنمية الاقتصاد وتنمية القدرات البشرية, بينما إيران تتعامل مع المنطقة من خلال الملف النووي. وتقول للعرب إنها أصبحت دولة نووية وعليكم احترامي على هذا الأساس. فما بين هذين النموذجين, فرق كبير. ليس بالقوة العسكرية نحصل على الاحترام. الاحترام يأتي عن طريق علاقات تؤمن المصالح المتبادلة, وتؤمن الكرامة للطرفين. علاقة كل العرب مع تركيا, علاقة إيجابية وهي نموذج للعلاقات المستقبلية.

بالنسبة لجمع الرئيسين المصري والسوري, أعتقد أن الموقف من إيران هو الأساس, وما زال هناك خلاف مصري - سعودي, وسوري من جهة ثانية بشأن الموقف الإيراني. فإذا لم يتضح الموقف الإيراني وانعكاسه على الساحة الفلسطينية, فلا أعتقد أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح, لان بالنسبة لمصر لا يوجد إمكانية قبول النفوذ الإيراني على حدودها. النفوذ الإيراني منع وحدة الفلسطينيين, منع المصالحة الفلسطينية. بالنسبة للمصريين لا يمكن أن يتقبلوا الواقع الجديد, إلا إذا كانت العلاقة بين إيران ولبنان وفلسطين, علاقة من دولة لدولة وليست علاقة مع منظمات. وعلى سورية أن تدعم هذا الاتجاه.

 

ما تفسيرك للجولة التي قام بها خالد مشعل على بعض الدول العربية ومن بينها لبنان, وما أسباب تعثر المصالحة الفلسطينية حتى الآن؟

واضح أن حركة "حماس" عطلت المصالحة الفلسطينية - لفلسطينية, لأنها تخشى من الانتخابات. "حماس" لديها إمارة إسلامية وتخاف أن تخسرها إذا حصلت الانتخابات, وإذا لم تخسرها فهي لها شريك فيها, لأنها عملياً أعلنت استقلالها. وبالنتيجة فإن أرييل شارون أذكى من "حماس", لأنه عندما انسحب من غزة, أعلن ان الانسحاب من غزة سيسمح لإسرائيل بابتلاع الضفة الغربية. "حماس" تقوم بتنفيذ هذه الفكرة. اليوم "حماس" أمام قرار مصيري, إما أن تعود مع توحيد الصف الفلسطيني, أو تتحول إلى جزيرة معزولة, القرار المصري لا عودة عنه وهناك جدار فولاذي وليس ل"حماس" قدرة على إزالته. وستكون "حماس" مضطرة في فترة قريبة لولوج المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية وعلى أساسها يتضح الخط الذي ستتخذه السلطة الفلسطينية.

 

ما قراءتك لتوقيت موضوع إلغاء الطائفية السياسية في لبنان وإصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري تشكيل هيئة للإعداد لهذا المشروع في وقت يقابل هذا الطرح بمعارضة كل المسيحيين من دون استثناء؟

المشكلة ان القيادات اللبنانية غير جدية, وعلى رأسها الرئيس نبيه بري الذي مضى عليه 25 عاماً في الحقل السياسي وكل ممارساته ليس لها علاقة بإلغاء الطائفية. بري معروف عنه ممارسته السياسية كرجل سلطة وليس كرجل دولة. ولم تكن المصالح العليا هي محركه, ولقد بنى حوله مجموعة من المستفيدين. وطرحه إلغاء الطائفية السياسية, لا يتمتع بمصداقية. لو ترك طرح هذا المشروع لرئيس الجمهورية, ورئيس الجمهورية بدوره عالج هذه المسألة بهدوء, لكتب لها النجاح. أما بإصراره المزايدة على رئيس الجمهورية, والأطراف الأخرى التي لها تاريخ من الممارسة المذهبية, فلن يصدقه أحد. وأعتقد أن المسألة الوحيدة التي نجح فيها الرئيس بري, هي توحيد المسيحيين بعد فترة من عدم التوحد. وبرأيي خلال فترة قريبة, سيسحب هذا المشروع من التداول ويعود لقواعده الأساسية. بري يبحث عن دور له, بعد أن أصبح القرار عند "حزب الله".

وكما قلنا عنه منذ فترة طويلة, بأنه أصبح لاجئاً عند "حزب الله". إلغاء الطائفية السياسية غير قابل للتطبيق على الأقل في المرحلة الحالية. ولا أحد يريد السير به, بدءاً من رئيس الجمهورية رغم طرحه له في خطاب عيد الجيش, فإذا حاول تطبيقه, سيحرق نفسه أمام القاعدة المسيحية, وانتهاء بالجنرال ميشال عون الذي قال بكل وضوح, إنه ضد هذا الطرح.

 

هل يوجد تباين بين الرئيس بري والسيد نصر الله بشأن هذا الموضوع, خصوصاً أن نصر الله محكوم بالعلاقة مع عون بورقة التفاهم؟

الرئيس بري يريد دوراً, والواضح على مستوى اتخاذ القرار, فإن السيد حسن نصر الله هو من يتخذ القرارات وكل المرحلة بعد السابع من مايو عام 2008 حتى اليوم, مطبوعة بقرارات نصر الله. وبري يبحث عن دور في المرحلة الحالية, خصوصاً أن أمامه انتخابات بلدية ولا يعرف ماذا بقي له فيها. يريد اتفاقاً مع "حزب الله" لا أكثر ولا أقل, لأنه أصبح مدركاً لضعف وضعه, ولم يعد اللاعب السياسي القوي على الساحة, وأصبح كما قال عنه وليد جنبلاط في احدى المرات, صندوقة بريد, يفعل ما يأمره به "حزب الله".

 

ما زال البعض يشكك في عملية إجراء الانتخابات البلدية بموجب التعديلات التي طرحها وزير الداخلية زياد بارود, برأيك هل تؤجل هذه الانتخابات؟

ليس بالضرورة تطبيق هذه التعديلات, لأن المهم إجراء الانتخابات البلدية في موعدها, وإذا تأخرت يكون التأخير لشهر أو شهرين. ولو جرت هذه الانتخابات على أساس القانون القديم فأين المشكلة? طالما أن البلد ليس بورشة إصلاحية. ولا أحد يوهمنا بذلك, لأن كل الموجودين ينفذون مصالحهم لا أكثر ولا أقل, نحن كمواطنين يهمنا أن تجري الانتخابات النيابية في موعدها. والمهم عدم إلغائها لسلامة الممارسة الديمقراطية.

 

إذا وليد جنبلاط قال عن بري, إنه تحول إلى علبة بريد, فماذا يمكن القول عن وليد جنبلاط بعد إعادة تموضعه الجديد والمصالحات التي قام بها؟

وليد جنبلاط يقول عن نفسه إنه أصبح في مرحلة تصريف الأعمال. وكل همه تأمين انتقال الوراثة السياسية لنجله تيمور. وهو منذ فترة يتبع سياسة إجراء المصالحات مع جميع الأطراف حتى لا يورِث تيمور اي مشكلة. ويتسلم الزعامة في الجبل من دون أي خلاف مع أحد. وأعتقد أنه يتولى إنهاء دوره السياسي والتحضير لتسليم نجله مكانه وهذه المصالحات هي جزء من هذا التحضير.

 

وأين أصبح موضوع زيارته إلى سورية, ولا سيما أن كل يوم نسمع شروطاً جديدة بشأن هذه الزيارة؟

أعتقد أنه تم الاتفاق على اللمسات النهائية لهذه الزيارة وأصبحت الزيارة قريبة جداً بعد الاتفاق على جميع التفاصيل حتى التفاصيل الدقيقة المتعلقة بأمن الرحلة ذهاباً وإياباً ولم يعد هناك أي عائق, و"حزب الله" قام بالوساطة بينه وبين القيادة السورية وتم الاتفاق على طريقة الإخراج وقد يكون هناك اعتذار علني وقد لا يكون.

 

"14 آذار" قررت الاحتفال بالذكرى الخامسة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري بمهرجان جماهيري كما كان يحصل في السنوات السابقة في "البيال", ألا يعتبر الاحتفال الجماهيري تحدياً للفريق الآخر؟

أبداً لا يشكل تحدياً لأحد, لأن ذكرى رفيق الحريري أصبحت مرتبطة ليس فقط بشخص رفيق الحريري, بل بأحداث كبيرة, وبالنظرة الى موقع لبنان ودور لبنان في ما يخص العلاقات السورية - اللبنانية, وطي صفحة الماضي, وأصبح لهذه الذكرى أهمية وطنية, لذلك أنا مع إحيائها شعبياً ومع التأكيد على القيم الأساسية ومنها تصحيح العلاقات اللبنانية - السورية, فإذا لم يُصر إلى تصحيح هذه العلاقات بشكلٍ سليم وصحيح, فلن نتخلص من شوائب الماضي الكثيرة باعتراف الطرفين, لأن لا أحد يريد أن يضع إصبعه على الجرح.

 

ماذا بقي من "14 آذار", وأين أخطأ هذا الفريق؟

"14 آذار" كحركة انطلقت تحت شعارات السيادة والحرية والاستقلال تفتقر عنصرين:

الأول: لم يكن لديهم برنامج تصحيح سياسي لمفهوم السيادة والاستقلال اللذين يتطلبان مؤسسات لصيانتهما والحفاظ عليهما ونقطة ضعف "14 آذار" الأساسية, عدم وجود خطة حقيقية وسريعة لإعادة بناء المؤسسات بشكل موضوعي وسليم.

نقطة الضعف الثانية لفريق "14 آذار", وجود "حزب الله" كحزب مسلح. وهو أراد في المرحلة الماضية, أن يتجاوز دوره موضوع المقاومة في الدفاع عن لبنان إلى موضوع آخر يسميه "حزب الله" مقاومة المشروع الأميركي. وبرأيي "حزب الله" أيضاً أخطأ خطأً كبيراً, باعتباره كل من يطالب بسيادة لبنان هو مع المشروع الأميركي و"حزب الله" انحرف بدوره من مكانٍ إلى مكانٍ آخر, من مقاومة إلى مشروع سلطة. وهذا المشروع الذي مارسه "حزب الله" كان مشروعاً قمعياً ل"14 آذار" وما جرى في السابع من مايو, كان رمزاً لهذه المرحلة القمعية.

 

برأيك ماذا استفاد العماد عون من تحالفه مع "حزب الله"؟

العماد عون خسر الانتخابات, ربح بعبدا بأصوات شيعية وربح كسروان وجبيل بأصوات شيعية, وكانت خسارته ممكنة لولا الصوت الشيعي في كسروان. العماد عون اليوم مرفوع على حاملة شيعية, وليس مرفوعاً على حاملة مسيحية, ولم يعد يشكل مشروعاً مستقبلياً أو وطنياً, بعد عودته من فرنسا, كان يطرح نفسه على أساس مشروع وطني, اليوم لم يعد يمثل هذا الشيء. وكل ما أمكنه الاستفادة من "حزب الله" هو الحصول على وزاراته, وفي التعيينات قد يحصل على مديرين عامين, وكل الامتيازات التي سيحصل عليها هي بواسطة قوة "حزب الله". هذه المعادلة مرفوضة وطنياً, "حزب الله" يقول لحليفيه بري وعون: إليكما كل المغانم الداخلية, مقابل التخلي عن السياسة الخارجية, فإذا قبلتما هذا الشرط, إليكما كل المغانم الداخلية, وإذا لم تقبلا, فلن تحصلا على شيء, ولا أعتقد أن ظاهرة العماد لها مستقبل.

 

هل ستتوصل طاولة الحوار برأيك إلى وضع ستراتيجية دفاعية, يكون سلاح المقاومة من ضمنها؟

موقف "حزب الله" هو الأساس, هل يريد "حزب الله" التنازل للدولة اللبنانية? واضح أنه لا يريد ذلك. "حزب الله" يقول: إن سلاحه سلاح إقليمي وتتم معالجته إقليمياً, بينما الأطراف الأخرى تقول: إن هذا السلاح لبناني ويقتضي إيجاد حل لبناني له. وأنا لا أعتقد أن "حزب الله" يقبل بالحل اللبناني, لأنه يعتبر نفسه جزءاً من لعبة إقليمية أكبر من لبنان وإنهاء وضعه جزء من الحل الإقليمي, علينا أن ننتظر ولا أعتقد أن طاولة الحوار ستوصلنا إلى شيء.

 

البعض يتخوف من توجيه سلاح "حزب الله" إلى الداخل, فهل سيوجه "حزب الله سلاحه إلى الداخل مرة جديدة؟

سلاح "حزب الله" في الأساس موجه إلى الداخل ولبنان اليوم محكوم بمعادلة سلاح "حزب الله". وهذه نتائج 7 مايو, والدليل أن وليد جنبلاط يقول, إنه محكوم ب7 مايو, ويتصرف وفقاً لمنطق 7مايو وهذه مشكلة بري في الحقيقة, لأن "حزب الله" وحلفاءه نقلوا البلد من اتفاق الطائف إلى "اتفاق الدوحة", والاتفاق المعتمد منذ السابع من مايو هو "اتفاق الدوحة". في انتخابات الرئاسة وفي الانتخابات النيابية وتشكيل الحكومة وحتى بتعيين الموظفين, كل ذلك يتم بموجب "اتفاق الدوحة". وأطلق عليها تسمية الديمقراطية التوافقية.

بري انتقى من "الطائف" بنداً واحداً ويسير ب"اتفاق الدوحة". ولو أراد الرجوع إلى "الطائف", فيجب العودة إليه بكامل بنوده وليس ببند واحد. وفي هذا المجال نحن ننتظر وعد رئيس الجمهورية بالعودة إلى الدستور وإلى "اتفاق الطائف" والانتهاء من "اتفاق الدوحة". علينا متابعة رئيس الجمهورية لننتظر ماذا سيفعل؟

 

برأيك متى ستصدر التعيينات؟

لا أعرف, ظاهرياً يبدو من الصعب الاتفاق على التعيينات, إذا لم يصر لآلية ملزمة بقانون يحدد كيفية التعيينات, فمن الصعب الاتفاق على التعيينات.

 

لماذا نشهد مصالحات بين كل الطوائف, عدا الطائفة الشيعية, هل استخفافاً بالخصوم, أم لتعطل قيام مثل هذه المصالحات؟

الطائفة الشيعية يحكمها منطق عسكري, وهذه الطائفة تعسكرت إذا صح التعبير, الشباب كله يخضع للتدريب العسكري, وأصبحت الطائفة الشيعية محل الجيش اللبناني وعندما تتعسكر الطائفة, لا يبقى للعمل السياسي الحيز الكبير.

 

ماذا يمنع ذلك من مصالحة الرئيس بري مع محمد بيضون أو مع السيد علي الأمين وأحمد الأسعد مثلاً؟

العمل العسكري ضيّق الحياة السياسية, وهم لا يرون ضرورة للعمل السياسي, وهذا خطأ كبير, لأن الحيز السياسي يبقى الأساس, ولا مرة تفوق الحيز العسكري على الحيز السياسي. وباعتقادي, أن على "حزب الله" القيام بجهد في هذا المجال, إذا كان سيستمر طويلاً على الساحة السياسية. عليه أن ينتقل إلى وضع سياسي متين, لأن وضع "حزب الله" داخل الطائفة الشيعية قوي وخارج الطائفة الشيعية ضعيف وهش. وعليه تحصين حاله بالسياسة الوطنية.