سبعة على سبعة من شهادتنا لقاء مع الاستاذ مصطفى مصطفى جحا

ادمون الشدياق

12/09/09

مجلة شهادتنا

(سبعة اسئلة تعالج القضية اللبنانية تسالها شهادتنا لأحد ضيوفها الفاعلين في حقل هذه القضية لتحصل على سبعة أجوبة تساعد القارئ على فهم خلفية وفكر هذا الضيف)

 

- ضيف شهادتنا مصطفى مصطفى جحا، ابن الكاتب اللبناني المعروف مصطفى جحا الذي استشهد في بيروت عام 1992 على يد أعداء لبنان والانسان والحرية. اليوم وبعد 17 عاماً على اغتيال مصطفى جحا في بيروت يواصل نجله مصطفى المسيرة والنضال من خلال اعادة طبع كتاب والده رسالتي الى المسيحيين ومن خلال انشاء مؤسسة مصطفى جحا للثقافة والأبحاث.

 

( سُئل الشهيد مصطفى جحا يوماً يا استاذ مصطفى. ان كل كتاباتك محشودة بالخطورة ومحشوة بالخطر على حياتك. وبصرف النظر عما اذا كنت محقاً او مخطئاً، جزئياً أو كلياً في نظر هذا الفريق أو ذاك، فهلا رحمت نفسك وعائلتك. واتقيت الخطر بشيء من المهادنة والاعتدال؟

 

فضحك الرجل، ضحكة الواثق واجاب :

 

أنا اكتب للبنان. وليست حياتي ولا عائلتي أغلى علي من وطني!

 

فقيل له : ليس كل من يقرأك يفهم سمو غايتك ويقدر رسالتك، وهنا الخطر، الخطر!

 

فقال : اذا شاء الجهل المجرم ان ينتزع حياتي كما انتزعت حياة الالوف من اللبنانيين الابرياء الشرفاء على الحواجز والساحات والطرقات، من جميع الطوائف والاتجاهات، فما عليه الا أن يفعل. وما على التاريخ الا أن يسجل اسمي بين شهداء الحرية والقضية والواجب.

* الانوار/ السبت 26كانون الثاني 1980.

 

اليوم نحن نعلم علم اليقين بأن مصطفى جحا كان رجل يعني ما يقول حتى الشهادة. ويؤمن بما يقول حتى الشهادة. ويمارس ما يقول حتى الشهادة.

 

مصطفى جحا عنى، وأمن، ومارس وعاش قضيته بثبات وشجاعة وحب لا يرتوي، حتى شرب كأس الشهادة حتى الثمالة، فترك خطوات بطولة يفخر أي مقاوم بأن يقتفي اثرها بخشوع النساك.

 

نعم مشى مصطفى جحا درب قطعها من قبله ملكيصادق وهنيبعل وفخرالدين وألف شهيد وشهيد من بلادي.

 

 

درب قطعها من قبله بشير الجميل شهيد الشهداء.

 

وكل من كانت درب البطولة دربه.

 

فهنيئاً لك يا أخي مصطفى فقد سجل التاريخ اسمك بين شهداء الحرية والقضية والواجب كما إشتهيت، وبحروف من ذهب. فنم قريرالعين. )

 

شهادتنا

 

الأسئلة التي وجهت الى الاستاذ مصطفى مصطفى جحا وأجوبته:

 

1- من هو الشهيد مصطفى جحا ؟ حدثنا عن نشأته، وعن أيام المقاومة والنضال على صفحات الجرائد التي عمل بها، ومن خلال كتاباته وخاصة كتاب رسالتي الى المسيحيين.

 

ج1: مصطفى جحا لبناني جنوبي من قرية الجبّين قضاء صور، توفّي والده قبل أن يراه، فتولّت والدته تربيته وتنشأته وكانت تعمل في التجارة بحيث تأتي بالبضائع من إسرائيل وتبيعها في الجنوب في قريتها والقرى المجاورة. نشأ مصطفى جحا في الجنوب وأنشأ وكالة تجارية للمواد الزراعية والاستيراد والتصدير في منطقة صور. أزعجته تجاوزات الوجود الفلسطيني في جنوب لبنان، مما دفعه إلى الكتابة ضد هذا الوجود فأدى ذلك إلى اعتقاله من قبل منظمة التحرير الفلسطينية فتح وتعذيبه وإخفائه في أقبيتها وبعد تدخلات عديدة أطلق سراحه ليترك الجنوب والمنطقة الغربيّة التي كان الفلسطينيون يسيطرون عليها. انتقل مصطفى جحا إلى منطقة بدارو في بيروت حيث بدأ في نشر كتاباته ومقالاته في عدد من الصحف، كما استطاع بناء علاقات شخصية ممتازة مع القيادات اللبنانية (آل الجميّل، شمعون، إيتيان صقر وقيادات المقاومة اللبنانية.).

 

كان قلمه سيفاً مسلطاً على رقاب من ضلوا الطريق وانحرفوا عن القضية اللبنانية، وتناولت كتاباته القضية اللبنانية وقضايا المنطقة، إضافة إلى دراسات فلسفية وإيديولوجية.

 

كتاباته أزعجت الكثيرين، مما تمخض عن فتوى تكفيرية صدرت عن المحكمة الجعفرية تمّ تعميمها ونشرها في كافة المحاكم الإسلامية والمرجعيات.

 

في ١٥ كانون الثاني ١٩٩٢ تعرض مصطفى جحا لعملية اغتيال قامت بتنفيذها مجموعات الأقبية المظلمة وأعداء الفكر والحرية والإنسانية. إغتيال أودى بحياته في منطقة الجديدة حيث تم إطلاق النار عليه من قبل مسلحين كانوا يستقلون سيارة.

 

في ذلك اليوم سقط القلم من يد مصطفى جحا وتحول الحبر إلى دم.

 

وضع مصطفى جحا العديد من المؤلفات أهمها: أية عروبة أية قضية، رسائل من خلف المتراس، لبنان في ظلال البعث، الخميني يغتال زرادشت، محنة العقل في الإسلام، شاهد الثعلب ذنبه، لعنة الخليج و رسالتي إلى المسيحيين الذي أعدتُ طباعته لما يحتويه من معلومات أكاديمية تتناول الوجود المسيحي في لبنان بكافة طوائفه المسيحية. سبب إعادتي طباعة كتاب رسالتي إلى المسيحيين يعود إلى الوضع المسيحي المتأزم والذي بات بحاجة إلى انتفاضة فكرية وثقافية تكون بمثابة مدماك دفاع عن المسيحيين ووجودهم.

 

2. قصة مصطفى جحا وسائر شهداء المقاومة اللبنانية هي قصة لبنان الذي اضطهد من قبل قوى التطرف والاصولية والشمولية والتبعية، من اجل حرية فكره، وتميزه عن اترابه، ورفضه عقلية القطيع، والايديولوجيات الشمولية المعلبة والعفنة. هل تعتقد ان لدى الشعب اللبناني الإرادة والوعي الكامل والكافي والحقيقي لإنتاج لبنان جديد أصيل يليق بتضحيات مصطفى جحا وباقي الشهداء؟

 

ج2: سؤالكم يعبّر عن جوابي بشكل كبير. نحن نعيش في مجتمع، للأسف، تسيطر عليه عقلية القطيع والتبعية والأفكار المعلّبة الجاهزة التي تُزرع وتُقحم في عقول عدد كبير من أبناء شعبنا، هذا الشعب الذي لم يعد قادراً أو مسموح له حتى على مراجعة ودراسة هذه الأفكار حتى يستطيع تقييمها وتقييم مدى صلاحيتها. لا شك بأن هناك جزء من اللبنانيين يرفض هذه التبعية المقرفة كما يرفض أن يكون كالقطيع يُساق بالعصا، لكن هذا الجزء إما خائف وإما مقموع، وتبقى نسبة قليلة جداً من هذا الجزء تتجرأ على رفع صوتها ونحن نرى كيف أن هذا الجزء يدفع الكثير الكثير ثمن عنفوانه ووطنيته وفكره ليحقق لبنان يليق بدماء شهادئنا وتضحياتهم. أثمان ضخمة تُدفع في لبنان، فأما آن الأوان لباقي الشرائح الصامتة للتحرّك ورفض الواقع ورفع الصوت بعد؟!!

 

3. في كتاب الخميني يغتال زرادشت كان مصطفى جحا من أول الذين حذروا من تداعيات الثورة الخمينية في ايران على الفكر والحضارة الايرانية، وبالتالي على الشيعة ككل في الشرق. ودعى الى محاربة هذه الثورة بالفكر الشيعي النير والانفتاح على الآخر والايمان بالشرعة العالمية لحقوق الانسان. هل ما زال ابن مصطفى جحا يؤمن بنهج والده وبقدرة الشيعة على تخطي تداعيات الثورة الخمينية والنظام الايراني الحالي؟

 

ج3: غيوم سوداء تسيطر على سماء الشيعة في الشرق، للأسف، وشمس العلم والفكر النيّر باتت ضعيفة. الشيعة تاريخياً ليسوا أصوليين، بل يستطيعون الاندماج والعيش مع الملل الأخرى، والدليل على ذلك أن إيران ما قبل الخميني، لم تكن تحدث فيها أية صدامات دينية أو طائفية. في لبنان إذا نظرنا إلى القرى المختلطة في الجنوب والبقاع وجبيل وكسروان، نرى بأنها مكونة من اختلاط مسيحي شيعي، إضافة إلى أن علاقات شيعة لبنان كانت ممتازة مع الجميع، على الأخص مع المسيحيين، لكن سيطرة العمائم وحقن العقول بالأفكار الأصولية والانعزالية غيّرا كل هذه الوقائع والمفاهيم، وإيران الحضارة والرقي باتت إيران التطرّف والأصولية، وشيعة لبنان الذين هم في أصل التركيبة اللبنانية باتوا غريبين عن العادات والتقاليد اللبنانية، أما شيعة الشرق عموماً فقد سيطرت عليهم العصبيات ورموا أنفسهم في دائرة النار. مصطفى جحا أوصل رسالته من خلال كتاب الخميني يغتال زرادشت، وعلى الشيعة اليوم أن يتنبّهوا لما يحاك لهم ولما قد انقلبت إليه ظروفهم، عليهم أن ينبذوا التطرف والأصولية ويعودوا إلى سابق عهدهم كدعاة للتعايش والانفتاح في لبنان والشرق.

 

4. الكثير من المفكرين في لبنان ينادون بالتعددية الحضارية تحت مظلة القومية والخصوصية اللبنانية. ما رأي مصطفى مصطفى جحا بهذه التعددية؟

 

ج4: لبنان قائم على تعدّد الثقافات، وهذا ما يميّزه في المنطقة التي تسيطر عليها الرياح الصحراوية ذات اللون الواحد. الحفاظ على التعدّدية ضروري جداً، لأن فقدان أي مكوّن من مكونات لبنان سيكون بمثابة خسارة حضارية وثقافية، لكن المطلوب أن يكون لدى جميع هذه المكونّات مفهوم موحّد حول الوطن، وأن تكون كل مكوّنات لبنان لبنانية قبل أي شيء وقبل أي انتماء آخر. في لبنان كل جهة لديها مفهومها الخاص عن الوطن، وهنا تكمن الخطورة في الأمر. لبنان هو لبنان الحضارة والثقافة والوطن النهائي لنا، ومن غير المقبول أن نُلحقه بأي فكرة خارجية إن كانت فكرة العروبة أو الأمة الإسلامية أو الغرب أو بلاد فارس. لبنان هو لبنان.

 

5. في ظل الصراع السياسي القائم والمحاولات المتكررة لتهميش الدولة اللبنانية وتعطيل مؤسساتها هل تعتقد ان هناك مشروع انقلابي ممنهج على الكيان والهوية اللبنانيين؟

 

ج5: هناك سعي جدي لضرب الهوية اللبنانية، وهذا ليس بجديد، فتسويق أفكار الاندماج مع أمة سورية، عربية، إسلامية أو فارسية شيعية ترمي إلى تدمير الكيان اللبناني والثقافة اللبنانية. اليوم بات الضغط أكبر وإمكانات من يهددون لبنان الكيان أضخم، وللأسف تلقى قبول لدى بعض اللبنانيين فباتت الأصوليات الدينية منتشرة وفاعلة أكثر وباتت مقبولة إلى حدّ ما لدى الذين أضاعوا هويتهم. هنا يتوجّب علينا التحرّك الفاعل وعدم السكوت والعمل اكثر من أي وقت مضى للحفاظ على لبنان.

 

6. هل يمكنك ان تخبرنا عن مشاريعك المستقبلية لنشر فكر مصطفى جحا وعن مؤسسة مصطفى جحا للثقافة والأبحاث؟

 

ج6: مهمتي شاقة، لكنني سعيد بها، لأنني مؤمن بأني أقوم بتأدية واجبي تجاه وطني لبنان، تجاه الإنسان، الحرية وتجاه مصطفى جحا الشهيد الذي دفع دمه ثمناً لحرية الرأي والكلمة والفكر. بدأت مشواري من خلال كتاب رسالتي إلى المسيحيين واليوم أسعى لإنشاء مؤسسة مصطفى جحا للثقافة والأبحاث حيث ستقوم المؤسسة بنشر هذا الفكر الذي بتنا بأمسّ الحاجة له، على أمل أن نجد استحسان من يشجعون هذا الفكر الذي نحمله ونود نشره.

 

7. هل هناك من كلمة اخيرة توجهها لقراء نشرة شهادتنا؟

 

ج7: كل الشكر لموقعكم الكريم وإلى الاستاذ ادمون الشدياق الذي لعب دوراً من خلال تشجيعي على مواصلة الدرب.

 

أشكر دعمكم هذا وإنه لشرف لي أن أكون على صفحاتكم.

 

أما قراء شهادتنا فلهم كل الحب واعلموا بأنكم تقرأون الحقيقة التي تعبق منها رائحة الحرية من خلال تصفحكم لهذا الموقع الكريم. على أمل أن تواصلوا دعمكم لهذا الفكر النيّر.

 

مع محبتي.