المظلة الدولية تحمي لبنان وليس السلاح

بقلم/الياس بجاني*

 

الوكالة الوطنية للإعلام 16 أيلول 2009/من قصر بعبدا وبعد اجتماعه مع الرئيس سليمان أكد الموفد الأميركي جورج ميتشل أن الولايات المتحدة الأميركية "حريصة على ألا يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين على حساب لبنان ومصالحه". "إن قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تشكل أولوية للولايات المتحدة الأميركية، كما للبنان وبلادي حريصة على ألا يتم أي حل لهذه القضية على حساب لبنان ومصالحه".

 

المركزية 16/09/09- أكد مسؤول منطقة الجنوب في حزب الله الشيخ نبيل قاووق إن الرهانات على الدبلوماسية في تحرير الأرض المحتلة هي محض سراب ورهانات كاذبة وخادعه، وقال "إن المقاومة هي التي تضمن حق لبنان في مزارع شبعا وتلال كفر شوبا وهي الطريق الوحيد الذي يضمن عودة كل حبة تراب من أرضنا المحتلة، ومهما بلغت الضغوط الدولية فان مستقبل لبنان هو مستقبل الانتصارات وسيأتي اليوم الذي تحرر فيه مزارع شبعا وتلال كفر شوبا بمعادلة المقاومة وشعبها". "إن كل الوطن يعاني من تأثير سموم النصائح الأميركية التي لا تريد خيرا للبنان لان أميركا كل ما يعنيها في لبنان هو أن تخدم الأهداف الإسرائيلية".

 

مما لا شك فيه أنه مهما قالت أو فعلت أميركا ومعها كل دول العالم لن يرضى أو يستكين تجار المقاومة والتحرير وفي مقدمهم حزب الله الإرهابي لأن أحلال السلام في منطقة الشرق الأوسط سيؤدي إلى كساد تجارتهم وإغلاق أسواق تصريف بضائعهم الخادعة. لذلك نراهم يتشدقون بما لا قدرة لهم عليه ويعيشون أسرى أوهام العظمة والاضطهاد وأحلام اليقظة ويعطلون ويعرقلون كل المساعي المحلية والإقليمية والدولية الهادفة إلى عودة لبنان إلى حالة السلم الأهلي وقيام مؤسساته وبسط سلطة دولته على كل أراضيه وحصر السلاح بقواه الشرعية.

 

نود ألا يتوهم البعض أن بمقدوره بيع جلد الدب قبل اصطياده، وحتى لا يغرق البعض الأخر في مستنقع حرتقات ومساومات ومناكفات سياسية رخيصة استجداءً لمواقع ومنافع عائلية ومالية ذاتية لطالما أعمت بصائر قادة ورعاة، وخوفاً من تفويت فرصة متاحة لاستكمال تحرير لبنان من وضعية الرهينة والساحة، لا بد من تذكير من يعنيهم الأمر وفي مقدمهم العماد ميشال عون والنائب وليد جنبلاط تحديداً برزمة من الجهود المضنية والحقائق والمتغيرات التي أعادت القضية اللبنانية بقوة إلى دائرة الاهتمام الدولي والإقليمي منذ العام 2005، ووضعتها في أولويات سلم السياسات الخارجية لكل من الولايات المتحدة وأوروبا ومعظم الدول العربية.

 

صحيح أنه إثر جريمة اغتيال الرئيس الحريري نزل الشعب اللبناني بغالبية بشرائحه إلى الساحات والشوارع مطالباً بخروج جيش الاحتلال السوري وإنهاء حكم التبعية والارتهان بشكل حضاري وسلمي جامع استحوذ إعجاب العالم بأسره، ولكن الصحيح أيضاً أن هذا الشعب عموماً وتحديداً شريحة الشباب منه ما استكانت يوماً عن المطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال وخروج قوى الاحتلال، رغم كل الصعاب والعوائق التي مورست ضدها من قهر واضطهاد وخطف واعتقالات وسجن وتلفيق تهم وتهجير وإفقار وتخويف وإجرام طوال حقبة الاحتلال السوري الغاشم، وما آلاف الملفات القضائية والاعتقالات الاعتباطية بحقهم إلا دليل على هذه الحيوية الشبابية.

 

من المؤسف جداً أن ينقلب العماد ميشال عون على كل ماضيه ويتنكر له وبشكل خاص لرؤيا "الفورميولا الثلاثية" التي كان يسوق لها من منفاه الباريسي كإطار رؤيوي من أجل إنهاء الاحتلال السوري وإبقاء الشعب اللبناني على جهوزيته الوطنية. عون كان يطمأن الجميع إلى أن لبنان سيتحرر عندما تتلاقى وتتفاعل ثلاثة عناصر أساسية هي:

 

1-تأمين أرضية صلبة لتلاحم وطني لبناني واعي جامع بعيد عن رواسب الماضي من طائفية وإقطاع وانتهاك حقوق.

شكل الطلاب والشباب والمثقفين عامودها الفقري طوال فترة الاحتلال.

 

2- بروز إرادة دولية فاعلة تتبنى قراراً دولياً له آلية تنفيذ ملزمة.

تجسدت هذه الإرادة من خلال "قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان" ومن ثم بالقرار الدولي 1559 وتكللت بإصرار كل دول العالم الحر على تحرير لبنان من الاحتلال السوري وعودة الديمقراطية والسلام إلى ربوعه.

 

3-تلاقي المصلحتين الدولية والإقليمية مع ضرورة وجود لبنان سيد حر ومستقل.

ظهر هذا التلاقي جلياً في التوافق الأميركي الفرنسي العربي اللافت على ربط السلام في الشرق الأوسط ونجاح الحرب الكونية ضد الإرهاب بعودة السيادة والحرية إلى لبنان.

 

بالتأكيد عناصر الفورميولا لا زالت هي هي ولا تزال الإكسير الذي يحتاجه لبنان لاستكمال استعادة استقلاله الناجز واحتواء أخطار دويلة حزب الله واستئصال سمومها واقتلاع أنيابها رغم تنكر عون لأبوته للفورميولا وانتقاله إلى المحور السوري الإيراني وانقلابه الكلي ليس فقط على قاعدة الفورميولا هذه، بل على كل ماضيه حتى أصبح هذا الماضي يخجل من حاضره.

نذكر الجميع أن أحرار لبنان في الداخل والخارج ناضلوا دون كلل لجعل رؤيا "الفورميولا الثلاثية العناصر" هذه واقعا محسوساً وحاجة دولية وإقليمية رغم تعرضهم لسهام التشكيك والتجريح والتخوين والتخويف والملفات القضائية المركبة، وقد أمست الرؤيا بفضل نضالهم الحضاري حقيقة ملموسة ومعاشة، وها هو لبنان رغم سرطان حزب الله يجني ثمار النضال الدؤوب حرية وسيادة واستقلال وتحرر من قوى الاحتلال والاستزلام والإرهاب وسائر إفرازاتها.

 

نذكِّر من نسي أو تناسى إن نفس القوى الدولية والإقليمية التي سهلت دخول الجيش السوري إلى لبنان في إطار اتفاقات وخطوط حمر بات أمرها معروف للجميع، وأوكلت مهمة إدارة شؤونه لحكام الشام خدمة لمصالحها، هي التي أخرجت الجيش السوري منه بعد أن سحبت من النظام الشامي البعثي التوكيل بنتيجة المتغيرات الميدانية المزلزلة التي شهدها الشرق الأوسط والعالم عقب أحداث أيلول الإرهابية في الولايات المتحدة.

 

إن لبنان الحر المستقل والديمقراطي والتعايشي الخالي من المنظمات الأصولية هو حاجة ملحة لمصالح دول العالم الحر التي تسعى لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ولاقتلاع منظمات الإرهاب والقضاء المبرم على ثقافة الموت والتعصب والكره ورفض الآخر.

 

إن الحكمة والمنطق وإدراك مصالح القوة الأميركية الأحادية المسيرة لشؤون العالم تفرض على القادة عندنا أن يدركوا الحقائق ببصيرة نيرة ليغلبوا المصلحة الوطنية على الخاصة فيتعاملون مع المستجدات بحذر وشفافية دون مساومات رخيصة وتقية قاتلة وذمية بغيضة.

 

عليهم الأخذ بعين الاعتبار وبمنتهى الجدية مكونات "الفورميولا" المتماسكة ككل، في كل تحرك يقومون به، وفي كل كلمة تخرج من أفواههم، وفي كل موقف يتبنونه، وذلك تجنباً لمواجهة خاسرة ومكلفة مع رعاتها، وإلا فالعواقب ستكون وخيمة ومدمرة على لبنان ومستقبله ككيان حر مستقل، علماً أن الفرصة المتاحة اليوم والتي طال انتظارها لن تتكرر في المدى المنظور في حال إضاعتها.

 

المطلوب من القيادات التي تغار على مصلحة لبنان الوطنية وأمن شعبه الكف عن رهانات رخيصة وضيقة المرامي لأن الشعب تحرر من عقدتي الخوف والمسايرة وهو الآن ممسك بدفة القيادة بعد أن تراجعوا هم إلى الصفوف الخلفية، وليس العكس كما كان الحال فيما مضى، وبالتالي فالشعب هذا سيلفظ كل قيادي ونافذ وراع منحرف يتاجر بدمه وبمستقبل الوطن والكرامات ولنا في تخلي قسم كبير جداً من المسيحيين عن العماد عون ونبذه خير مثال يقتدى به.

 

أما تنطح بعض أطياف المعارضة والمولاة على حد سواء بشعارات وطروحات تخطاها الزمن تؤسس للقبول باستمرار وجود دويلات داخل الدولة وجيوش غير الجيش اللبناني استجداءً لموقع أو نفوذ فأمر خطير للغاية كونه يتناقض مع تطلعات اللبنانيين التواقين لعودة دولة القانون والمؤسسات والعدل والتحرر من كل أشكال التبعية.

في هذا السياق الأكروباتي يأتي انقلاب السيد وليد جنبلاط على ثورة الأرز وعلى نفسه وعلى شعار لبنان أولاً والإدعاء باطلاً "إن القرار 1559 كان لعنة".

 

يبقى أن مساعدة المجتمعين الدولي والعربي بهدف تنفيذ القرارين الدوليين 1559 و1701 بكل بنودهما هو أمر مشروع وقانوني يندرج ضمن صلاحيات الأمم المتحدة ومجلس أمنها، وهو بالتأكيد ليس استبدالاً لوالي بآخر ولا تدخلاً سافراً في الشأن اللبناني كما يُسوق حزب الله والعماد وعون وباقي أطياف 8 آذار السورية-الإيرانية.

 

من يتوهم أن بإمكانه الفصل بين بنود القرارين الدوليين 1559 و1701 بأخذ ما يناسب مصالحه منها وإهمال البنود الأخرى وتحديداً بنود جمع سلاح كل المليشيات وحصره بقوى بالدولة الشرعية والالتزام باتفاقية الهدنة مع إسرائيل وضبط الحدود مع سوريا فهو يهلوس ويخبط خبطاً صبيانياً.

 

في النهاية لا سلاح حزب الله الإيراني- السوري المغلف بالحقد والأصولية والإجرام، ولا شعارات المقاومة الجوفاء، ولا هز الأصابع، ولا الغزوات الجاهلية لبيروت وغيرها من المناطق اللبنانية، ولا سوريا أو إيران يحمون لبنان ويصونون كيانه وسلمه واستقلاله ولقمة عيش بنيه، بل المظلة الدولية، والقرارات الدولية من خلال الأمم المتحدة ومجلس أمنها وما عدا ذلك كذب ونفاق وأوهام.

*الكاتب معلق سياسي وناشط لبناني اغترابي
*عنوان الكاتب الألكتروني phoenicia@hotmail.com
*
تورنتو/كندا في 23 أيلول/2009