الجنوب

كتاب من تأليف الكولونيل شربل بركات

يحكي عن مراحل من حياة المنطقة الحدودية في جنوب لبنان في الفترة ما بين سنوات 1976 و1988

 

مقدمة

 

 

الجنوب جزء من لبنان عزيز علينا نحن أبناؤه لا بل عزيز على الكل....
الجنوب وقد كان دوما مدخل القضايا الكبرى وباب الأحداث، ما هي حقيقته في المرحلة الأخيرة من تاريخ لبنان؟ وهل كان بالفعل مظلوما أم ظالما؟ وهل كان أهله خونة مجرمين، أم أبطالا شرفاء؟ أسئلة لا بد أن تسأل يوم يكون الحكم قد فتح أبواب التشفي بالناس، وأصدر الأحكام الغيابية، وجرّم من جرّم دون وجه حق. وها هم أبناء الجنوب يحسبون، كنصف لبنان، خونة أو خوارج، فيجري عليهم قانون النفي، بالتهويل أو الترهيب، بالأحكام الغيابية أو التهديد، وبكافة الأحوال يهجّرون إلى خارج البلاد ليكبر أبناءهم وهم يتساءلون ما كان ذنب آبائنا لنظلم نحن فنعيش في المنفى أو الغربة؟ ومن كان أفضل منهم في الوطنية فليرجمهم بحجر...

قصة الجنوب طويلة بدأت مع بدايات التاريخ، فهو موطن صور وصيدا وعمقهما، وهو جليل الأمم ومسارح الآموريين والآراميين والكنعانيين، وقد تهلّن بعد الاسكندر يوم ردم هذا البحر وقضى على منعة صور، ثم تنصّر مع تلامذة المسيح الهاربين ليجدوا الملجأ فيه، وتشيّع بعض أبنائه مع أبي ذر الغفاري الصحابي الذي نفاه معاوية، واستقبل الصليبيين وحارب في صفوفهم حتى انتقم منه المماليك ومنعوا السكن فيه من البحر و حتى عمق أربعين كيلومترا، ففرغت البلاد وبارت الأراضي وغطّى الشوك طرقه وأكملت الأيام هدم بيوته، ولكنه عاد ليعمر مع زوال حكم المماليك وبدايات المعنيين واستقر أكثر مع فخر الدين فأزهرت البلاد وتزينت بالقرى والمزارع، ولكن ليذوق بعد ناصيف النصار وتفاهمه مع ضاهر العمر، ظلم الجزار، فتعود السخرة ويكثر الطيّاحة والهاربون، ومع جمال باشا ينزل الظلم من جديد وتضرع القلوب إلى الخالق ليرفعه، فيفعل، ليقوم لبنان الكبير، ولكن ليس بالسهل وقد هاجمته العصابات من كل حدب وصوب باسم الدين أو الدنيا، باسم السياسات الدولية أو مشاريع الهيمنة، وباسم المؤامرات والشعارات. هاجموا أهله ليرسموا الحدود، فكانت دماء أهله هي الحدود، هاجموا قراه وهجروا بعضها، ولكن من بقي أبقى الجنوب لبنانيا...

ومرة أخرى جاءت الريح من فلسطين مع الثورة الكبرى في 1936 وزاد القلق وتخوف الناس، ولكن الحرب الكبرى والصراع بين القوى العالمية أوقف المشاكل الصغيرة ليضعه على خط التماس بين فرنسا فيشي والإنكليز ودخل هؤلاء في 1942 وخال الناس بعدها أن كل شيء سيستقر، لكن الحقد زاد على فلول العائدين من أفران هتلر المفتشين على مكان يستقرون فيه، فعادت من جديد حركات العنف لتزرع الخوف في سهول فلسطين وينتقل هذا مع الهاربين إلى روابي الجنوب ليسكن الجنوب ويبني له مقرا فيه، وتصبح أيام الجنوب أيام الشح والقلة، ويستند ظهره إلى ذلك الحائط المغلق الذي كان في يوم من الأيام مصدر رزق وعمل وتجارة، وتغلق في وجهه أبواب لبنان فلا يزوره زائر إلا بتصريح، فيقبع في النسيان إلا يوم يقرر أحدهم أن يناوش الجيران فيتصدر واجهات الإعلام، ولكن ليبقى أهله يعانون من الضيق والحرمان...

ثم يقرر العرب أن يحاربوا ويبدأ التحضير لمأساة جديدة، فيسقط الجولان والضفة والقطاع وسيناء كلها، وينقلب القرار ضد لبنان الذي لم يحارب ولم يخسر، ليصبح أرض حرب دائمة وخسارة مستمرة، فيطرد كل الخوارج والمتحمسون وكل حامل سلاح ومعتنق لمبدأ أو شعار وكل من تهابه أنظمة الجوار إلى لبنان، ليصير مركز الثورة العالمية ومقر عصابات العنف والإرهاب. فيلتقي الشمال والوسط وبيروت وكل مكان فيه، بالجنوب، في المعاناة والحرمان، ويتساوى اللبنانيون مع مخيمات الفلسطينيين، بالعنف والحقد والثورة، وتضيع الدولة وأجهزتها بضياع القرار وقصر النظر، ويتخيل بعض رجال الدين أنها حرب على الإسلام فيتبنون الثورة لتحرقهم مع هشيم البلد كله، ويخال زعيم الجبل الدرزي الذي لم ينس مقتل بشير جنبلاط أن الأوان قد آن لينتقم ويحكم البلد، لكن نار الغدر عينها تأكله وتخلخل الجبل كله، وتدور الدوائر على الكل ولا يعود زعيم يرى حلا فالحقد وكثرة السلاح وانهيار مؤسسات الدولة أعاد جميع الفئات إلى حلقات صغرى لتنطوي على نفسها وتتمسك بغريزة البقاء.

ولم يختلف الوضع في الجنوب عن كل لبنان. وعندما قسم الجيش وانسحبت فلول الدولة، أصبحت المنظمات هي الحكم، وأزلامها يعيثون بالأرض خرابا. وصارت حياة الناس هي الأهم، فالرزق سائب والبلاد من دون رأس والعصابات تدخل البيوت وتقطع الطرق وتقتل الناس. وصار الكل يفتش عن حماية نفسه؛ الأفراد والمجموعات، ومن استطاع الهرب قد فعل. ولكن أين يهرب من حشر بين حائط "العدو" ونار"أهل البيت"؟ فما كان من هؤلاء، وعندما ضاقت عليهم الآفاق، إلا القتال حتى الموت، وهكذا كان...

 

ولكن الجدار لان، وفتح "العدو" بابا دخلت منه المساعدات الطبية أولا، ثم دخل الماء والرغيف قبل أن يدخل أي شكل من أشكال السلاح أو الذخائر...

 

وصمد الجنوب... وقد يكون صموده هذا ما ساهم في تخفيف موجة الحقد على لبنان فبدأت أشكال من الحلول أو الهدن تعرض هنا وهناك. وسارت المشاريع السياسية؛ من الردع إلى التفاوض، ومن وقف النار إلى الدويلات، ومن القبول بالأمر الواقع إلى كل أشكال الرفض التي تتلون من الخارج لكن داخلها واحد. وفي هذه وتلك بقي الجنوب وبقي أبناؤه رافعي الرأس غير متنازلين عن الكرامة ولا متناسين الوطن وهمومه، ولكنهم، ومن قلعتهم العنيدة، انتظروا طويلا ذلك الليل الذي يلفه متأملين بالفجر الجديد وبرحمة السماء. وقد حاولوا تنظيم أمورهم لما طال الانتظار لتستمر الحياة، لكنهم لم يتركوا مجالا يرتبطون فيه بالأهل هناك ألا وطرقوه، ولا طريقا إلا وسلكوه، وقد ربطتهم كل المناطق في يوم من الأيام بالعاصمة، فقد سلكوا الساحل تحت رحمة الفلسطينيين، وسلكوا البقاع تحت رحمة السوريين، وسلكوا الجبل تحت رحمة الدروز، وسلكوا البحر وأهواله، وها هم اليوم يعيشون قهرا تحت رحمة حزب الله الأيراني، الذي لم يهوى لبنان مرة، ولا قتل له شاب في سبيله، بل في سبيل أئمة طهران وثورتهم العالمية، في سبيل أن يكون تشيعهم أقوى من سنية العرب، ولا دخل للبنان وأهله المستضعفين إلا في دفع فاتورة الغي التي يقبض ثمنها متاجرون بحياة الناس في ظل تفاهم مصالح سوريا والإمبراطورية الشيعية الجديدة التي تحاول فرض نفسها بأرواح هؤلاء. ويفرح العلويون النصريون بأنهم يتحكمون بسنة الشام ويلهونهم بالحقد الذي زرعوه في قلوبهم ضد لبنان وكأن الزمن لا يفنى والأيام لا تدور...

للجنوب قصة طويلة سوف نرويها لكم على حلقات لكي يعرف من لا يعرف من هم هؤلاء الأبطال الذين لم يكن لهم شرف الافتخار، بالرغم من كل المعاناة، والذين لم يتهرّبوا مرة من فاتورة الدم في سبيل الكرامة وحفظ حق الوطن وشعبه، والذين لم يتاجروا بالناس ولا تاجروا بالطائفية ولا قسموا وصنفوا أو فرضوا مفاهيم أقلية على أقلية أخرى أو حاولوا أن يفلسفوا الأمور ويدّعوا بما ليس لهم. ولكن الوطن كله كان دوما جرحهم وشفاهم كما قال في ذلك شاعرهم:

إيـه لبـنـان جرحـنا وشفـانـا         هل لجـرح على الزمــان شفـاء
هبة الريـح في مغانيـك رصـد          وانسـياب النسـيم فـيـك حـداء
نحـن صـغـنـاك مـن نسيـج            موشـى طـرزتـه أنامـل عذراء
وحملـنـاك فـوق كـل حـدود          حيث رحنـا وضـاقـت الأرجـاء

 

 

الحلقة الأولى
حرب 1967 وبدايات المتاعب

كان الجنوب بدأ يعرف لذة الكهرباء التي وصلت إلى كل قرية ومزرعة بين سنوات 1964 و1967 وأضاء نورها ليله الحالك، ولم يعد الأهالي ينظرون إلى بعض القرى عبر الشريط، حيث كانت تشع الأنوار، بحسد، فقد تساوى الوضع هنا وهناك، وصار لنا ارتباط بخدمات الدولة، خاصة الماء والكهرباء، ولو كانت المياه لا تزال "مشروعا" يكاد لا يروي لأنها تأتي بالمناسبات، أما الكهرباء فقد وصلت بكل ثقلها وبكل التنظيم الذي رافقها؛ بالأعمدة الحديدية ومصابيح الإنارة، حتى أن عين إبل ومرجعيون أنيرتا بالفلوريسان وأصبح ليلهما صباحا، وتباهتا حتى على قرى الإسرائيليين. في هذه الفترة وصل التلفزيون، وصرنا نرى بيروت وبرامجها، ثم تلفزيون إسرائيل الذي كان يبث فترة وجيزة، وفي أيام الصيف كنا نرى تلفزيون مصر وأفلامه وخطابات الرئيس عبد الناصر. وفي صيف 1966 بدأت الاستعراضات العسكرية، وصار جيش مصر وطيرانه وصواريخ "القاهر" و"الماهر" و"الظافر"... وأغنية "بلادي... بلادي... بلادي ... مصر يا أم البلاد" تملأ مخيلة الصغار. ومع قدوم الشتاء غابت مصر وأغلب القنوات، لأن أنتين القناة 7 ينكسر كلما عصفت الرياح على جبال الباروك بينما لا تصلنا القناة 11 ولم يكن هناك بعد من تلفزيون في سوريا والأردن... ولكن الصحف كانت لا تزال تأتينا بأخبار القمم العربية، ومشاريع قطع المياه عن إسرائيل، والقيادة العربية المشتركة، ووصول الجيوش العربية لدعم الجبهات؛ وها هي فرق من الجيش المغربي تتمركز في الجولان السوري، ويحشد الملك حسين دباباته، ويزور قائد القيادة الموحدة للجيوش العربية اللواء علي علي عامر الجبهة الشمالية في سوريا ولبنان. ومع قدوم الربيع وعودة تلفزيون مصر إلى الظهور كانت القضية قد "استوت"، وخلنا أن عبد الناصر وجيوشه لابد ستقهر إسرائيل وتعيد "شرف" العرب، وها هو يطرد المراقبين الدوليين، ويغلق مضائق تيران في البحر الأحمر ليقطع الطرق على إسرائيل، ويحشد جيوشه في سيناء ويوزع الدبابات والطائرات، فيخال من يرى كل هذا على شاشات التلفزيون أن إسرائيل لا بد إلى زوال. بينما لم يكن تلفزيون إسرائيل يعرض أي شيء عن استعدادات لحرب أو مواجهة كبرى

وفي السادس من حزيران قيل أن الحرب قد بدأت. أما صباح الجنوب فقد كان عاديا، وذهب الفلاحون إلى الحقول والتلاميذ إلى المدارس، ولكن أخبار الإذاعات العربية كانت تتكلم عن تساقط طائرات العدو وتقدم الجيوش على الجهة المصرية، ولم يسمع أحد لصوت إذاعة إسرائيل الذي كان يقول بأن سلاح الجو عندها قد قام بقصف كل المطارات المصرية وأن جيوشها تقطع سيناء باتجاه قناة السويس. ولكن عند الظهر تقريبا مرت فوق مدرستنا طائرتا ميغ سوريتان على علو منخفض متجهتان صوب حيفا، على ما يبدو، فقامت القيامة، وصار الكل يتحدث عن الحرب وقدرة العرب وجيوشهم. ولكن بعد الظهر بدأت الإذاعات العربية تتكلم عن "العدوان"، ولم نعد نسمع صوتا لطائرات سوريا ولا لقصف المدافع البعيد. وبعد يومين صار طيران إسرائيل السوبر ميستير هو من يحلق على علو منخفض جدا حتى نرى الطيار داخل طائرته، وصرنا نسمع قصفا بعيدا حول الجولان. و توضحت حقيقة الأمر بعد أيام معدودة إذ انجلت غبائر المعارك عن سقوط كامل سيناء، واعتراف عبد الناصر بالهزيمة وتقديمه استقالته، واعتراف الملك حسين بخسارة القدس الشريف وكامل الضفة الغربية للأردن، واعتراف سوريا بخسارة الجولان بكامله وعاصمته القنيطرة وإشراف الإسرائيليين على الشام. وكان جيش سوريا الذي تحصن بالجولان ومدافعه التي، كمدافع "نفارون"، لا تقهر، قد هرب كجيوش مصر أمام الإسرائيليين، بعد أن تلاشى الضباط قبل المعركة لعلمهم المسبق بأن شيئا يحضر. ووصل إلى جنوب لبنان لواء سوري بكامله يقدر عديده بثلاثة آلاف رجل، وصلوا دون قيادة وبدون سلاح وبدون تنظيم، تماما كالعسكر المكسور ولكن الذي لم يحارب. وجمع الجيش اللبناني هؤلاء وأطعمهم وأوصلهم إلى الحدود بعد أن نسّق نقلهم بشاحناته مع قيادتهم في دمشق. وقامت قيامة العرب حول تحميل المسؤولية؛ ففي مصر قيل أن قائد الجيش عبد الحكيم عامر انتحر، ولم يقبل الشعب استقالة عبد الناصر حتى في شوارع بيروت، وفي دمشق شنق حاطوم وقيل بأنه مسؤول عن الهزيمة، وكان لواء عراقي قادم لنجدة سوريا قد قصفته طائرات إسرائيل بناء على معلومات إذاعة صوت العرب. كل ذلك قد قبلته الجماهير العربية، ولكن موقف لبنان لم يقبل لأنه لم يشارك في الحرب ولم يخسر قطعة أرض ليتساوى مع كل العرب في الخسارة. وقامت القيامة في شوارع بيروت، وصار لبنان مجرما، ودار اليسار وجماعة بعث سوريا والعراق والناصريين وكل المعزوفة، تغمز من قناة لبنان الدولة. وتم وضع الخطط لتحميل أحدهم حقد الجماهير ووزر النكسة، فكان القرار السوري بالعمل الفدائي وتبنته كامل الدول، وبدأ التمويل والتدريب وشراء السلاح، فالخطة الجديدة هي محاربة إسرائيل بأعمال التخريب، ويجب أن ينطلق التخريب من لبنان...

منذ أوائل سنة 1968 نشأت منظمة في سوريا دعيت الصاعقة قوامها عناصر من الفلسطينيين من مخيمات سورية يقودهم ضباط سوريون ويتبعون مباشرة إلى قيادة الجيش السوري. هذه المنظمة وفور انتهاء تدريباتها بدأت بالتوجه نحو مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لكسب أكبر عدد من المتطوعين في صفوفها، وبدأ التدريب وتهريب السلاح. وكان ياسر عرفات، الذي نشأ وتعلم في مصر قبل أن يهاجر إلى الكويت ويحاول منذ 1965 أن يقيم منظمة مسلحة تعتمد التخريب كسلاح للعمل ضد إسرائيل، قد تركز في الأردن بعد النكسة وباشر بالعمل العلني لتجميع أكبر عدد من الفلسطينيين لمنظمته، وقد قامت هذه المنظمة بعدة عمليات على الحدود الجديدة للأردن مع إسرائيل، أي على خط نهر الأردن، ما أعطى الشارع العربي، الذي كانت نكسة حزيران قد زادت فيه الحقد دون أن يعرف كيف يوجهه، أعطته هذه العمليات، مع عدم قيمتها الفعلية، نوعا من الأمل في طريقة جديدة أو قل جيل جديد من المناضلين في سبيل "القضية". فذاع صيت "أبو عمار" وجاءت منظمة الصاعقة لتضيف إلى "العمل الفدائي" دفعا جديدا تدعمه سوريا. وهكذا تكون سوريا قد خرجت من خسارة الجولان بطرح جديد أنسى الشارع مسؤولية تلك الخسارة. وصار كل من يحاول أن يقف ضد هذه الموضة الجديدة يهاجم من قبل الشارع العربي الذي رأى فيها الأمل الوحيد. وقامت الدول العربية مجتمعة في قممها اللاحقة تؤيد، لا بل تساند ماديا ومعنويا وبالأسلحة والتدريب، منظمات مشابهة لتلك التي أنشأها عرفات وتلك التي أنشأتها سوريا.

أما في سوريا فقد تقلص دور عرفات بسبب وجود منظمة تابعة للدولة أخذت هذا المكان، ولكن في الأردن صار عرفات ورجاله هم قادة الموقف. وكان الملك حسين يعرف أن هذه الثورة ستأكل الأردن إذا ما كبرت، ولكنه كان يريد امتصاص النقمة بعد خسارة القدس والضفة الغربية. أما في مصر حيث لا رأي إلا للدولة والجيش فلم يجد عرفات خبزا، وقد كانت المخابرات وما سمي "بمراكز القوى" تسيطر على كل شيء. أما توأم سوريا، العراق فقد أيد هذه الحركات والمنظمات ودعم إنشاء غيرها لكي يكون له كلمة في الشارع العربي، سيما وأن ساحة الصراع بعيدة عن أراضيه ولكن مفاعيلها تؤثر على الجميع. وقامت دول الخليج بدفع "الخوة" لهذه المنظمات التي كانت بأكثريتها يسارية، لتبعد خطرها عنها وعن الثروة التي تتنعم بها. ولم يبق في الميدان الفعلي إلا لبنان، فهو لا يستطيع أن يحارب إسرائيل وقد خسر العرب مجتمعين ضدها، وكل قوته هي في علاقاته الدولية ومراعاته لشروط الهدنة، بالرغم من أن الجيش اللبناني قام بما طلب منه في حرب حزيران من تصحيح أهداف المدفعية السورية، ولكن السوريين لم يكونوا متحمسين للحرب، على ما يبدو، وهو الذي قد بني مجتمعه ونظامه على حرية الرأي فلا يستطيع أن يتبنى الثورة ثم يقمعها، ولا يستطيع أن يجاهر بشيء ويفعل آخر، لذا فقد تحسّب منذ البدء لمشروع تسليح الفلسطينيين، وخاف من عواقبه، ولكنه لم يستطع الوقوف ضد كل العرب مجتمعين وهو عضو في جامعة الدول العربية.

كان البعثيون في سوريا، ومنذ سيطرتهم على الحكم، يحاولون ممارسة الطريقة النازية زمن هتلر في استيعاب النمسا والسوديت(أي توظيف عملائهم وأزلامهم تحت شعارات حزبية وقومية)، يسعون إلى إضعاف استقلال لبنان والمطالبة بالوحدة مع سوريا والعراق. فنشروا حزب البعث الذي لاقى أرضا خصبة في الجنوب، وخاصة بين الشيعة الفقراء والمتعلمين منهم لأنهم يحملون في تراثهم الشيعي بذرة الثورة منذ الحسين وكربلاء من جهة، وينقمون على زعمائهم الإقطاعيين من جهة أخرى، وبينما يأخذ الشيوعيون طابعا امبرياليا (أي عالميا توسعيا) فقد رأوا في البعث حلا محليا يبقيهم داخل الطروحات العربية ويترك لهم هامش المعارضة. وكان العلويون في سوريا قد تبنوا طروحات حزب ميشال عفلق (البعث) ورأوا فيها وبالجيش الطريق إلى الحكم، فكان طرحهم قوميا وعملهم طائفيا، وقد استطاع حافظ الأسد حفيد زعيمهم الأكبر، وبعد سلسلة من الانقلابات في سوريا، أن يصل إلى مركز وزير الدفاع، وكان تحميل حاطوم (الدرزي) مسؤولية الهزيمة في الجولان، التي من المفترض أن يتحملها هو، وإرساله طائرتين لقصف حيفا (وهو قائد الطيران السابق)، قد أبعدا عنه تلك الكأس مؤقتا، ولذا كان عليه أن يلهي الشارع في سوريا بطرح أكبر، ويلهي السوريين عنه بقضية حساسة جدا لهم، فيها من "حسد الجيران" قدرا كبيرا، ومن الطمع بلبنان جانبا مهما، وهم لا ينسون أبدا أن ذلك المسيطر على جبال لبنان كان دوما عدوا طبيعيا لحاكم الشام كون هذا الجبل هو موئل الأحرار وسوف يبقى الملجأ لكل متمرد عليه، فكان طرحه لحرب العصابات يشنها فلسطينيون يتبعون للجيش السوري تحت شكل "الصاعقة" ويعملون في لبنان، لوجود كثير من الفلسطينيين الغاضبين هناك، ويهاجمون إسرائيل من جنوبه، لخلق القلاقل وزعزعة الحكم الذي يتأثر بالرأي العام كونه الحكم الديمقراطي الوحيد في المنطقة العربية. وهكذا كان فقد وصل السلاح ومعه المدربين التابعين للصاعقة، وبدأت عمليات مناوشة صغيرة على الحدود يتبعها تصعيد إعلامي كبير ومظاهرات تأييد لمن سيعيد "شرف" العرب. وكان الإعلام في لبنان الأهم في المنطقة وبما أن طبيعة هذه الحرب الجديدة هي أكثر ما تكون حرب إعلام، لأنها لا تقدم ولا تؤخر، فقد جذب لبنان كل المنظمات، وجذب معها أجهزة المخابرات العربية منها والدولية، وصارت ساحة لبنان هي ساحة حرب العرب في نهاية 1968 .

كانت الدولة اللبنانية التي لم تنسَ حرب 1958 بعد، والشعب اللبناني، وخاصة المسيحيين منهم، لم يكونوا قد نسوا تدخل عبد الناصر من سوريا وتدفق الأسلحة للثوار، ما قلب الموازين وجعل الحكم يلجأ إلى طلب مساعدة أميركا لوقف النزاع، كانوا يخشون إذن هذا النوع الجديد من التدخل الذي سيعرّض البلاد لمشاكل هي بغنى عنها. وكانت الدولة تحاول أن تتجنب نزاعا مباشرا مع هؤلاء المسلحين يدخلها في صراع مع سوريا التي لم تترك فرصة إلا واستغلتها للظهور بمظهر الداعم لهؤلاء، وعند كل مشكلة كانت تسارع إلى إغلاق الحدود، التي كانت، بعد إغلاق قناة السويس، أصبحت مهمة جدا، كون ميناء بيروت صار ميناء العرب كلهم من العراق إلى السعودية والأردن ودول الخليج الأخرى في تجارتهم مع أوروبا. ولم تمر السنة الأولى إلا وقد انطلق الصراع بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين.

ذهب المسلحون في حربهم ضد إسرائيل، ليس فقط للقيام بعمليات على الحدود، بل افتتحوا نوعا جديدا من العمليات الإرهابية التي جعلت العالم كله مسرحها، وهي عمليات خطف الطائرات. وهذا النوع من العمليات جذب إلى هؤلاء أنظار العالم، وجذب أيضا ردات الفعل التي تحملها لبنان. وها هو الجنوب الساحة الأساسية لهذه الحرب والسبب الرئيسي لحرب لبنان التي أحرقت كل شيء وكل مكان وهي لم تزل حتى اليوم الكأس التي يتجرعها كل لبناني...

 

الحلقة الثانية
هاجس الجنوب عشية 1975

 

تتالت الأحداث على الساحة اللبنانية وكثرت المشاكل، من قيام المنظمات الفلسطينية بعمليات مناوشة الإسرائيليين، إلى رد هؤلاء بعمليات مماثلة، ما يؤدي إلى نزوح الجنوبيين مع كل الفلكلور المرافق، من صور السيارات المحملة بالفرش واللحف، إلى النساء الباكيات على فقد منزل أو عزيز، إلى ردود فعل الجماهير والصحف والأحزاب، وكلها تصب في خانة واحدة تغمز من طرف الحكم في لبنان وتقلل من رغبة، إذا لم تكن قدرة، الجيش على حماية الوطن. وبعد العمليات على الحدود والعمليات المضادة، بدأت عمليات الانتقام من المواطنين في الجنوب بتخوينهم واتهامهم بالعمل مع الإسرائيليين ونقل معلومات عن تحركاتهم والاقتصاص منهم، ثم ما لبث هذا التخوين أن طال المتهمين بالعمل مع الدولة ضد المنظمات، ودرج الخطف والقتل دون أن يكون للدولة وأجهزتها القدرة الكافية على حفظ المواطنين، إن من خطر المنظمات الفلسطينية ومن خلفها، أو من ردود فعل الإسرائيليين بعد كل عملية.

في هذه الفترة كبرت العمليات وتوسعت، وإذ تقوم إحدى هذه المنظمات بخطف طائرة أو بعملية كبيرة في مطار اللد، يرد الإسرائيليون بعملية في مطار بيروت فيقضون على أسطول الطيران المدني اللبناني وهو جاثم على الأرض، وبعد عملية كبرى في أوروبا تدخل فرقة كوموندوس إسرائيلية إلى قلب فيردان لتقتل ثلاثة قياديين من المنظمة، فتقوم قيامة الفلسطينيين وكل المعزوفة اليسارية، وينتشر المسلحون في الشوارع، ويصبح التخريب في شوارع بيروت هدف المتظاهرين. في هذا الجو من إثارة الأحقاد وتهييج الناس ضد الدولة، بدأ المسيحيون في كل لبنان يخافون بجد على الدولة ومصيرها، وهكذا صار ولاؤهم للجيش أكبر، وما لبث هذا الولاء أن تجسد في اشتباكات مع عناصر المنظمات شملت مناطق في قلب لبنان...

وكانت أحداث الكحالة والدكوانة التي برز فيها الشيخ بشير الجميل قائدا شابا يسعى لحفظ كرامة اللبنانيين وحقهم بالسلم والنظام والحياة الحرة الكريمة في بلدهم دون تدخل هذه المنظمات والأحزاب المأجورة والتي تستمد أفكارها وأوامرها من الخارج ولا تسعى إلا إلى تخريب البلد. كانت هذه التطورات باب الأحداث التي تدخل فيها الجيش السوري في معركة مع الجيش اللبناني في منطقة راشيا، حيث استطاع الجيش اللبناني إثبات قدرته على التصدي لأي اعتداء، وكانت الضغوط من سائر الدول العربية ومن الداخل، حيث عاد البعض إلى التشكيك في الوطن والدستور والميثاق، ومن بين هؤلاء رسالة واضحة من مفتي الجمهورية الذي قال "إن المقاتلين الفلسطينيين هم جيش المسلمين"، ما أدى لا إلى وقف السيطرة الفلسطينية، بل إلى تشريعها عبر اتفاق القاهرة، حيث تنازل لبنان عن سيادته على المخيمات ومنطقة العرقوب في الجنوب لتصبح جرحا مستمر النزف، وبابا لعدم الاستقرار، وصارت الطرق المؤدية من وإلى هذه المنطقة المفتوحة، والتي سميت "فتح لاند"،  ممرات يسيطر عليها الفلسطينيون، وزاد التدخل بشؤون الناس وتوقيف الأشخاص تحت شعار حماية المقاومة.

في هذا الجو المتوتر والذي يسوده القلق على المصير والمستقبل صار هاجس الجنوبيين التهجير، وخوفهم الوحيد هو أن تتكرر أحداث فلسطين بتهجير الجنوب وسيطرة إسرائيل عليه. وهكذا صار الكلام عن الصمود في الأرض والبقاء فيها وعدم السماح بإشعال فتيل الحرب التي سوف يدفع ثمنها الجنوبيون الفقراء وحدهم إذا ما أجبروا على التهجير. ولذا قام الأهالي بمطالبة الجيش بحماية القرى ومحيطها من مرور الفلسطينيين المسلحين، ما أدى إلى مزيد من التجاوزات والصدامات. من جهة أخرى، ولطمأنة الجنوبيين حول المستقبل، دعا الشيخ موريس الجميل، الذي كان وزير التصميم يومها، إلى إنشاء مجلس الجنوب وإلحاقه بوزارته ليكون إدارة خاصة لتطوير الجنوب وإنمائه فيصبح مركز استقرار وإنتاج ويمنع التهجير بسبب أو بغير سبب ويوقف تردي الوضع هناك. ويعتبر الشيخ موريس الجميل من أهم الشخصيات اللبنانية التي عملت بشكل علمي على التخطيط للبنان المستقبل وقد كان أحد مشاريعه يقوم على استغلال المياه لتوليد الطاقة من جهة ثم جرها بالانسياب إلى دول الخليج المحتاجة للماء ما يضيف واردات كبرى إلى خزينة الدولة كانت كافية بنظره لكي يكون سعر الوقود في لبنان أرخص منه في دول البترول نفسها ويوزع من عائدات الكهرباء والماء على الشعب اللبناني ما يوازي مئة دولار شهريا للعائلة. من هذا النوع من الرجال الوطنيين والمخلصين لشعبهم والمخططين لمستقبله كان الشيخ موريس، وعندما طرح مشروع مجلس الجنوب كانت فكرته أن يقيم المصانع الإنتاجية في الجنوب بتخفيض الضرائب وتأمين الخدمات من مواصلات واتصالات لتشجيع المستثمرين على إنشاء مثل هذه المصانع في الجنوب.

ولكن ما جرى أنه عندما أنشئ مجلس الجنوب توفي الشيخ موريس فصار هذا مكتب "شحادة" واستزلام ومركز توزيع حصص وتعويضات عن أضرار تلحق بالناس من جراء عمليات إسرائيل، وصار الجنوبي، بدل أن يرفض وجود الفلسطينيين، لخوفه على منزله أن يهدم مثلا، مطمئنا بأن مجلس الجنوب سوف يدفع التعويض، ومن هنا صارت المتاجرة بقصة التهجير والهروب كلما سمع صوت قذيفة أو دخلت دورية الحدود، وصار الجنوب عبئا على الوطن ثقيلا، فهو مدخل الصراع وعدم الاستقرار من جهة، وهو باب الإهدار "المشروع" من جهة ثانية. وقد شجعت هذه الخطوة الجماعات اليسارية على التعنت وزيادة المطالبة بالفوضى والتخريب...

بعد الاشتباكات الفعلية بين الجيش والفلسطينيين والتي أدت إلى اتفاق القاهرة المشؤوم، صار واضحا بأن البلد ذاهب نحو الفوضى، ولذا كان العمل على وحدة المسيحيين من أجل الدفاع عن الوطن، وكان الحلف الثلاثي أول بوادره إذ أتي، بواسطة الديمقراطية الانتخابية وبأغلبية صوت واحد برئيس جديد للبلاد هو سليمان فرنجية ابن زغرتا المعروف بوطنيته، وهو صاحب شعار "وطني دائما على حق"، ليضع الحد لتصرفات الفلسطينيين ويمسك الدولة بيد حديدية، ولكن وبسبب رفض الشريك المسلم في الحكم، لم يقدر فرنجية في أحداث 1973، بالرغم من أن الجيش كاد أن يقضي على المنظمات وقد طوق المخيمات بعد حرب فعلية، خاصة في المدينة الرياضية، وبعد التهديد السوري والضغوط السعودية، أن ينهي التمرد الفلسطيني، بل أوقفت المعارك لتعطي للمسلحين الفلسطينيين دفعا جديدا وتجعل الشارع المسيحي هذه المرة يبدأ بالتحرك، فتقوم المظاهرات لدعم الجيش. ولكن ليفهم المسيحيون في داخلهم بأن الدولة التي حلموا بأنها سوف تحميهم غير قادرة على ذلك، وبينما كان السلاح يوزع من قبل المنظمات على كل محازبيها ليشكل جبهة ضد الجيش، بدأت الأحزاب اللبنانية بالتدريب الجدي لحماية النفس.

في هذه الأجواء كان قد لاح في الجنوب نجم الإمام موسى الصدر، فهو الذي سكن صور وعرف عنه تسامحه الديني وانفتاحه على المسيحيين في وقت غالت فيه الأحزاب اليسارية برفضها للدولة واتهام المسيحيين بأنهم عملاء الغرب من جهة، ودافعت عن الثورة الفلسطينية بكل عنف من جهة أخرى. ظهر الإمام الصدر بأنه الرجل المعتدل والمنفتح، بعكس بقية رجال الدين المسلمين والسنة خاصة، فحلم المسيحيون بشريك جديد بوزن رياض الصلح، لا بل قد يكون أقدر، فصار الإمام سيد الكلام في المجالس، ودعي إلى المحاضرة في الجامعات المدارس، في الكنائس والنوادي، وكتبت عنه الصحف والمجلات، فهو الذي يدعو إلى إنصاف اللبنانيين في هذا الوضع الحرج، وقد تحدث عن العدالة وتنفيذ الشراكة الحقيقية من داخل المؤسسات وليس بالعنف والثورة. وبدأ بمحاولة مسك الشارع الشيعي الذي كانت تسيطر عليه الأحزاب اليسارية والمنظمات الفلسطينية، وأنشأ المدارس والمؤسسات وخاصة المجلس الشيعي الأعلى، واستطاع أن ينتزع محافظة للشيعة هي محافظة النبطية لتصبح المحافظة السادسة، وصار الناس يرون فيه أملا لبناء دولة حقيقية يؤمن كل أبنائها بأنهم جزء أساسي منها وتقوم على نظام ديمقراطي يعترف بحقوق وواجبات الكل تجاه الدولة... ولكن الإمام، وكما المسيحيين، بعد أحداث 1973، صار يفتش عن طريقة للدفاع عن النفس فتغير خطابه السياسي وصار عنده "السلاح زينة الرجال" ونقل عنه ذلك القول المشهور "بيعوا الرغيف واقتنوا السلاح" وظهرت أفواج "أمل"[1] لتكون درع الشيعة في أحداث الوطن. وهكذا صارت البلاد عشية الأحداث ثلاث فئات كبرى هي: اليسار الذي يشمل السنة ودروز جنبلاط الاشتراكيين من جهة، والمسيحيون بكافة أحزابهم من جهة أخرى، بينما وقف شيعة الإمام بين الاثنين...

وفي الجنوب وبعد أحداث 1973 قرر الجيش، الذي لم يستطع حماية الأهالي بواسطة الدولة والقانون وبدأ يخاف على مؤخرته من أن تضربها عصابات المسلحين، بتدريب فرق الأنصار داخل قرى المنطقة الحدودية وتسليحهم ليكونوا عونا له من جهة، ويتمكنوا من الدفاع عن قراهم ضد تدخل المسلحين الفلسطينيين وأعوانهم من جهة أخرى...                  

الحلقة الرابعة
تدمير الدامور

عشية الأحداث التي عصفت بلبنان في 1975 كان البلد الذي تعود الناس أن يجدوا فيه الراحة والنظام قد بدأت تفوح منه روائح التمرد والعنف، وها هي المخيمات تصبح بؤرا للعصابات المسلحة حيث لا سلطة للدولة عليها وهي تبدو كالمعسكرات المحاطة بالحراسة وأكياس الرمل والحفر التي تمتلئ بالأسلحة والصواريخ. وأصبح اللبناني يهاب المرور أمامها خشية التعرض للخطف والتوقيف والسؤال. وبعد أحداث صيدا التي قتل فيها النائب اللبناني معروف سعد وبعض العسكريين بينهم أحد الضباط من الجيش اللبناني صارت طرق إمداد الجيش تتجنب المرور في مناطق سيطرة الفلسطينيين وصارت هذه المناطق تكبر شيئا فشيئا.

 وكما هي الحال في العاصمة كانت حال أهالي الجنوب فقد صارت مناطق سيطرة الفلسطينيين تتوسع ليس في العرقوب وحده بل حول كل المخيمات بدءا من عين الحلوة إلى النبطية فالرشيدية والبص وبرج الشمالي وبرج رحال ثم مناطق حول قانا ومحرونا حيث أصبح للمنظمات مخيمات ومراكز تدريب. وصارت تحركات الجيش هي التي تأخذ بالحسبان المنظمات ومراكز تواجدها وليس العكس وقد سيطر هؤلاء على بعض القرى بواسطة الأسلحة التي وزعوها لمن دار في فلكهم، وحيث كثر المشاغبون أصبحت القرى بكاملها محسوبة على الفلسطينيين وهذا ما دفع القرى التي لا تريد الاعتراف بسلطة هؤلاء إلى التحسب أكثر فأكثر ومطالبة الجيش بتسليح شبابها لتأمين الحماية ضد الانتشار الفلسطيني الذي كان يكبر بشكل خطر بواسطة الأحزاب اليسارية من جهة والأموال والسلاح الذي دفع به الفلسطينيون من جهة أخرى.

 

كان كل حادث يمكن أن يتحول إلى معركة فالتعبئة التي قامت بها المنظمات والنزعة الهجومية التي تحلى بها كل من سار بخطها كانت كافية لجعل أقل مشكل يبدو كمعركة مصيرية، من هنا أخذت الدولة طريق الدفاع والمسايرة بدل قرار المواجهة ورسم حدود التصرفات. وكان كل مشكل مهما كان سببه يؤدي إلى مزيد من التنازل من قبل الدولة. وكانت الصحافة التي اشتراها عرفات ورجاله بأموال النفط العربية تفسر دوما تصرفات الفلسطينيين وتشرح خلفياتها وضرورتها وتذنّب الدولة أو الجيش. وكانت سوريا تدفع الأمور نحو الصدام وتهرّب السلاح والعتاد والمقاتلين بكل الوسائل الممكنة.

 

في هذه الفترة أصبح عرفات هو الرجل الأقوى في لبنان وصارت مكاتب المنظمات في بنت جبيل مثلا أو مرجعيون أو غيرها هي التي تتدخل بشؤون المواطنين فتخلق المشاكل أو تحلها، وأصبحت قرى بكاملها كعيناتا أو حولة ممنوعة على الجيش يسرح فيها المسلحون ويصدرون الأوامر بتوقيف الناس أو سوقهم إلى مراكز المنظمة وأحيانا إصدار أحكام بحقهم ولا من حسيب.

 

في هذا الظرف زاد الجيش من تنظيم فرق الأنصار وأضطر إلى تسليحها بال أم 16 وجعلها تتبع لضباط فعليين يقومون على تحسين عملها والتفتيش على الأسلحة والذخيرة ومنع أي تصرف فردي من عناصرها وهذا لكي ينافس المنظمات التي كانت توزع الكلاشينكوف الروسي بدون حساب والتي كانت تسلب ولاء المواطنين من الدولة وتجعل من هذه الدولة غريبة عن أبنائها ولا مونة لها عليهم، وكان الجيش يريد من هؤلاء أن يحموا طرقه في منطقة يضطر فيها إلى التنقل والقيام بالدوريات والحفاظ على مراكزه.

 

بعد مواجهات 1973 التي جرت بين الجيش وهؤلاء الفلسطينيين وعدم الحسم من قبل الجيش تبدل موقف السيد موسى الصدر بعض الشيء ولم يعد يجرؤ على مواجهة هؤلاء فسارع إلى إنشاء ميليشياه الخاصة التي كانت تتدرب في البقاع. لم يكن هناك ممولا طبيعيا لهذه الميليشيا الشيعية لأن إيران الشاه لم تكن شيعية المذهب ولا أحب نظامها بالأصل الأئمة والمشايخ وتدخلهم بالسياسة ولم يظهر أطماعا خارجية تصل إلى لبنان كما هي حال إيران اليوم. وكان كل العرب الأغنياء الذين يخافون اليسار المتعاظم يدفعون لعرفات ولا يمكن أن يدفعوا لإمام شيعي لينشئ ميليشيا في لبنان تقف بمواجهة الفلسطينيين. ويقال بأن الرئيس الأسد حاول التقرب من السيد الصدر لكي ينال فتوة شيعية بأن العلويين هم جزء من الشيعة فيوفر على جماعته اضطهاد السنة المذل الذي ذاقوه طيلة قرون وأجيال ويسهم بالمقابل في تسليح المليشيا الشيعية ولكن الإمام الصدر لم يصدر تلك الفتوى. ويقول البعض بأنه عشية الحرب اللبنانية دفعت ليبيا، التي كان زعيمها القذافي يريد من مسيحيي لبنان وعلى رأسهم الموارنة إذا ما أرادوا العيش بسلام أن يعلنوا إسلامهم، مبالغ من المال والسلاح لكل الفئات اللبنانية الغير مسيحية للتأكد من عدم وقوفها في الصف المواجه للفلسطينيين في حربهم ضد الدولة، وأن جزء من هذه الأموال والعتاد قد دفع بالفعل إلى السيد موسى الصدر لكي يضمن عدم وقوف الشيعة ضد الفلسطينيين، كما دفع جزء آخر لجنبلاط والحزب الاشتراكي لكي يضمن أيضا عدم وقوف الدروز إلى جانب الدولة.

 

وقد كان قيام لبنان على دعامة من ثلاثة أرجل تختلف عن المحيط السني العارم والذي يذكر بسلطة الأتراك والمماليك، حيث كانت فتاوى ابن تيمية التي حللت قتل الدروز والشيعة والإسماعيلية والعلويين وجعلت من هؤلاء الدروز والشيعة يتمسكون مع المسيحيين بهذا الجبل اللبناني كموئل حر يحميهم من الأكثرية المحيطة ويساهمون على مدى قرون بتشكيل الوطن الذي قام على الحرية الدينية والتمايز عن المحيط، لا تزال في البال. ولكي يسقط لبنان الوطن يجب أن يحيّد الدروز والشيعة لضرب المسيحيين أولا، لأن المسيحيين هم الحلقة الأقوى في الكيان اللبناني، ثم عند الانتهاء منهم تسهل عملية فرز الدروز وضربهم، وفي نهاية المطاف يضرب الشيعة بعد أن يستهلكوا في قتال الآخرين. من هنا تعقيد المواقف في الحرب اللبنانية ومن هنا لم يكن المراقب الأجنبي يفهم ماذا يدور، فقد نادى المسيحيون بأن الحرب هي على الفلسطينيين المسلحين الذين يريدون خلق دولة ضمن الدولة ما لا يمكن أن يقبل به اللبنانيون. وقال البعض بأن اليسار قد وقف مع الفلسطينيين لأن لبنان قاعدة غربية ويجب قلب نظامها. ولكن لماذا لم يكن بالإمكان إنشاء تحالف وطني يميني يمكنه مواجهة الفلسطينيين واليسار ويتألف من شيعة وسنة ودروز إلى جانب المسيحيين اليمينيين؟ من هنا لم يفهم البعض تصرف المسيحيين المنفرد في هذه الأحداث وقد تعجب الصحافيون الغربيون أحيانا من دوافع هؤلاء في القتال الشرس ولم يستطيعوا تفهم خلفيات بقاء كل الفئات الغير مسيحية مع جانب من اليسار المسيحي في صف الفلسطينيين، فقبلوا تفسير هؤلاء بأن المسيحيين يحاربون من أجل بعض الامتيازات السياسية التي لا يريد زعماؤهم التخلي عنها.

 

 ولكن ما هو الدور السوري وخلفياته؟ وما هو دور الوهابية السعودية وأحلامها في الدين الحنيف؟ وما هو دور القذافي ودعواته لأسلمة اللبنانيين؟ وما الذي يجعل الشيعة والدروز والسنة اليمينيين يقفون في صف عرفات ورجاله؟ كل هذه أسئلة لم تطرح بسبب المال الذي أغدق من قبل عرفات من جهة، وسيطرة اليسار العالمي بالعادة على الإعلام من جهة أخرى، ما جعل كل الصحافيين الذين يشكلون في الغرب المصدر الحر للمعلومات اليومية ينحازون إلى عرفات ومعسكره ويكررون لازمته؛ بأن المسيحيين اللبنانيين مجموعة "انعزالية" رجعية ومتخلفة تحارب حربا طائفية ضيقة في زمن الإلحاد العالمي. وقد شكل هذا الخط الإعلامي حاجزا أمام حق اللبنانيين في الدفاع عن دولتهم ومؤسساتهم ومساندة الرأي العام العالمي لهم، كما كان ضغط الدول العربية وعلى رأسها السعودية، والمجموعة اليسارية وعلى رأسها الاتحاد السوفياتي، يومها، الذي كان الممول الأساسي للمنظمات، قد منع أي تدويل للأزمة أو تدخل يوقف التجاوزات السورية عند حد، ويحسم وضع الفلسطينيين، ويعيد للدولة اللبنانية هيبتها، وقد كان لبنان من مؤسسي الأمم المتحدة وواضعي شرعة حقوق الإنسان، وهو دائما ما عوّل على المساندة الدولية لحقه وليس على قواه الذاتية، في منطقة يعلم كل العلم أن فيها من الرافضين لكيانه والعاملين على زعزعته، خاصة بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي تتالت في مصر أولا ثم في سوريا والعراق، وحيث أصبحت الأنظمة في هذه الدول، عسكرية ديكتاتورية، تختلف عن النظام الحر والمنفتح، والذي يحمي الحقوق المدنية، ويتميز بديمقراطية لم تسمح مرة بتجديد الولاية لرئيس في لبنان منذ استقلاله.

 

لم تكن البوسطة التي أقلت مجموعة من الفلسطينيين المدججين بالسلاح لتجتاز الشارع الرئيسي في عين الرمانة في ذلك الأحد من نيسان 1975 بالصدفة، لأن طرقا أسهل وأكبر وأقل ازدحاما كانت متوفرة للوصول إلى مخيم تل الزعتر، والكل قد علم بالحادثة التي كانت وقعت صباحا في الحي المذكور وذهب ضحيتها أربعة كتائبيين بينهم جوزيف أبو عاصي حيث مرت سيارة مسرعة أطلق من فيها النار على الكتائبيين المحتفلين بتدشين الكنيسة بحضور الشيخ بيار الجميل رئيس حزب الكتائب، ولكن الهدف الرئيسي من مرورها كان تحدي الكتائبيين وفرض وهرة المنظمات من خلال حادث معزول على الشارع المسيحي ككل، فمن هم هؤلاء الكتائبيون ليتجرأ زعماؤهم على الوقوف بوجه "الثورة" التي ترهب العالم؟.. وما حدث يومها كان الشرارة التي بدأت الحرب وليس أبدا السبب في اشتعالها.

كانت المنظمات الفلسطينية قد أعدت خططها للسيطرة على الشارع وقد انتشر عناصرها فورا وتوزعت الآليات والأسلحة في الأحياء ونصبت الحواجز وبدأ الخطف والتوقيف. وبالرغم من محاولات الدولة للتحقيق بالحادث واتخاذ الإجراءات إلا أن المطالب الفلسطينية كانت تكبر ما يؤدي إلى مزيد من التنازلات تحت التهديد. ثم تدخل عناصر جديدة وأسلحة من سوريا، ويستمر التوتر وتبدأ عملية الخوف من ردود الفعل الفلسطينية في الأحياء المسيحية وسط عدم الثقة والقدرة التي تظهرها الدولة لحماية المواطنين، ويصبح الأمن الذاتي هو الحل الوحيد المتوفر.

 

وفي الجنوب يزيد القلق والخوف من ردات الفعل الفلسطينية على القرى المنعزلة البعيدة والتي جاهرت بتأييدها للجيش، فيهرب المنظورون من أبنائها إلى الجانب المسيحي من بيروت تجنبا للخطف والقتل أو التوقيف والتنكيل، ولكن القرى الحدودية حيث أنشأ الجيش فرق الأنصار بقيت صامدة كون الجيش بقي محافظا على تواجده في المنطقة ولو أن سيطرة المنظمات زادت أكثر فأكثر.

 

ويمر صيف 1975 والناس بحالة قلق شديد والأجواء مكهربة، وبينما يستمر دخول المسلحين الفلسطينيين عبر الحدود، تتحضر الأحزاب المسيحية في العاصمة لجولة جديدة. وما أن يبدأ الشتاء حتى تتفاقم المشاكل من جديد وتأخذ هذه المرة شكل الحرب الفعلية، فتهاجم المجموعات الفلسطينية وعلى رأسها منظمة الصاعقة السورية مدينة الدامور ويصمد الأهالي فيها ويدافعون عن بيوتهم ويدفعون التضحيات ولا تنفع توسلات أبنائها وخاصة أعضاء الحزب الاشتراكي عند الزعيم الدرزي جنبلاط، الذي كان يشارك المنظمات، بوقف القتال. ويرسل الجيش إحدى طائراته لقصف المهاجمين، فيهدد السوريون بإرسال طائراتهم لحماية "الثورة"، وتسقط الدامور ويتهجّر من بقي من أهلها، الذين احتموا بقصر الرئيس شمعون في السعديات، بواسطة زوارق الصيد في بحر هائج وبشكل مريع. ويدخل ثوار عرفات وأفواج الصاعقة السورية وجماعة جنبلاط وكل من لف لفهم إلى المدينة، فيكملون القتل والتنكيل بالناس والمقدسات، ويدنسون كل شيء حتى القبور، وتمتلئ الشوارع والبيوت المحروقة بالجثث لتشهد على جرائم هؤلاء ولتفهم المسيحيين أن زمن التعايش قد ولى وأن لا دولة يمكنها أن تأخذ قرارا حتى لمنع احتلال مدينة، وأن السلاح وحده قادر على حمايتهم. ويستمر المسلسل في عكار فيدخل المسلحون وعلى رأسهم، كالعادة، جماعة الصاعقة، إلى بيت ملات ويحرقونها، وإلى دير عشاش فيحرقوا الرهبان العجز أحياء، وإلى الناعمة والقاع وغيرها من القرى ليفهموا اللبنانيين أن لا مجال للصلح ولا مكان للضعفاء...

 

الدامور... المدمرة بقدرة فتح...

 

 

 

الحلقة الخامسة

حركة أحمد الخطيب

أهم نتائج التذبذب السياسي في مواقف غير المسيحيين بشكل عام كان حركة تمرد الضابط أحمد الخطيب. وكانت نتائج هذه الحركة مدمرة على صعيد الوطن ككل وهي التي شكلت المفصل الأساسي في تدمير الدولة كدولة وتفسّخ الكيان اللبناني وانتشار الحرب ولغة السلاح فوق كل الأراضي اللبنانية. ولكن لماذا هذا الحجم لحركة يقوم بها ملازم أول، يقول بعض رؤسائه بأنه ضابط فاشل وأن من لحق به لم يزد على الحضيرة، في البدء؟

إن ما أشرنا إليه من المواجهة بين الجيش السوري والفلسطينيين في منطقة راشيا لم يدع أي شك لدى القيادة السورية بقدرة الجيش اللبناني، بالرغم من قلة وسائله، على القيام بالتصدي لأي اعتداء خارجي، وهو قد كان أوقف دخول الإسرائيليين أيضا في مرتين متتاليتين، كان آخرها في صيف 1972 حيث لم يتجاوز الإسرائيليون بلدة قانا على محور حداثا صديقين عين بعال، ولا بير السلاسل على محور الطيبة الغندورية خربة سلم. ومن جهة ثانية أظهر الجيش تماسكا وقدرة في مواجهات الفلسطينيين في بيروت في أحداث 1973 وخاصة في معركة المدينة الرياضية، التي كاد فيها أن يقضي على ثورة عرفات بكاملها لولا التهديد السوري والضغوط العربية الأخرى وعلى رأسها السعودية. من هنا كان يجب أن يقضى على هذه المؤسسة التي تستطيع حماية البلد والتي لم تكن سهلة الاختراق، فالضباط المسلمون لم يكونوا أقل تحمسا للدفاع عن الوطن وتميزه من رفاقهم المسيحيين، ولو أن الشارع المسلم ورجال الدين والصحافة المأجورة وجماعة عرفات قد شكلت ضغطا ميدانيا على هؤلاء لكي يشعروا بأنهم لا يماشون الخط الطبيعي ولا يمثلون تطلعات جماعاتهم. لذا كان التفتيش عن ضابط، مهما كانت رتبته، يمكن استعماله لوضع إسفين في داخل المؤسسة يمكن استغلاله فيما بعد.

وكان أحمد الخطيب يتبع عمليا لثكنة مرجعيون وقد استطاع أن يقنع أحد الرتباء ليقوم بالاستيلاء على ملالة للجيش، بعد إطلاق النار على رفاقه المسيحيين، والتوجه بها إلى منطقة سيطرة الفلسطينيين في العرقوب. ثم يقوم أحمد الخطيب نفسه بالتعاون مع قوات فلسطينية بالسيطرة على كل المواقع الصغيرة المنتشرة على طول الطريق بين مرجعيون وراشيا. كان الجيش اللبناني قادرا على ضرب الخطيب وحركته في مهدها وقد صدرت الأوامر لسلاح الطيران بضرب هذه المجموعة، ولو فعل لكان أوقف أي حركة تمرد وأعاد السيطرة بشكل فعلي، ولكن تدخل السوريين هذه المرة أيضا، وبالشكل المباشر، منع استعمال القوة وجعل القيادة تحجم عن فتح معركة ولكن هذه الخطوة كانت "القشة التي قصمت ظهر البعير" ففهم الكل أن الدولة غير قادرة على الحسم وأن أعداءها مسنودين وأن عرفات وجماعته أقوى وأقدر على اتخاذ القرارات.

فما الذي جعل الدولة تتردد إلى هذا الحد في اتخاذ القرار بالدفاع عن مؤسساتها؟ وما الذي جعلها ترضخ لكل هذا الابتزاز فتتخلى شيئا فشيئا عن سلطتها ثم تسمح بتفتيت قدراتها على البقاء وسلبها وسائل الدفاع عن النفس؟

هنا لا بد من العودة إلى السياسات الإقليمية والدولية التي ساندت بقاء لبنان مثلا في أوج تحالف مصر وسوريا في 1958 فسمحت باستمرار الدولة وتجاوزها عقبات التفسخ والتدخل الخارجي المباشر وليس فقط عبر تدفق السلاح والأموال، لأن سوريا، كما يقول المغفور له صائب سلام في المقابلة التي أجراها مع تلفزيون "ال بي سي"، كانت تدفع بكميات كبيرة من السلاح والأموال تقاسمها يومها، مع المغفور لهما كمال جنبلاط ورشيد كرامي. ولكن عندما حسمت الولايات المتحدة موقفها تغير الوضع وعادت الأمور لتستقر، ولكننا نتذكر العميد ريمون اده يوم كان وزيرا للدفاع في نهاية 1958 حيث أمر بقصف الثوار بالطيران في البقاع الشرقي عندما تعرضوا للجيش. فهل أن ريمون إده وزير الدفاع في 1958 كان أكثر صلابة من سليمان فرنجية رئيس الجمهورية في 1976 أم أن الظروف الدولية والإقليمية لم تكن مؤاتية زمن فرنجية؟

لن نخوض هنا في كل الظروف والتحركات على الساحة الدولية حيث كانت الولايات المتحدة قد توصلت إلى اتفاق لسحب قواتها من فيتنام بعد حرب ضروس دامت سنوات طويلة تكبد بها الجيش الأميركي خسائر كبرى، وقد كان الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية في أوج نصرهم على أكبر قوة تمثل العالم الحر، وقد أخرجها الشيوعيون الحفاة من كل جنوب شرق آسيا بدون أن يخسر السوفيات جنديا واحدا، وكانت رواسب حرب تشرين بين مصر وإسرائيل من جهة، وسوريا وإسرائيل من جهة ثانية، والتوصل إلى عملية فصل القوات في سيناء والجولان، وما رافقهما من مفاوضات عبر الأميركيين، وانفتاح هؤلاء، كما يقول البعض، على السوريين، وبراغماتية كيسنجر وزير خارجية أميركا وصاحب الرحلات المكوكية، و"إعجابه" بالأسد. كل ذلك كان يؤثر في المناخ السياسي العام، في وقت وقف لبنان، بشخص الرئيس فرنجية ذاته في الأمم المتحدة، ليدافع عن القضية الفلسطينية، بالرغم من عدم رضى الأميركيين على هذا التصرف، وبدون ثمن مقابل من العرب. فكان أن خسر لبنان الدعم الأميركي دون أن يربح الولاء العربي له ولقضاياه، أو أقله اعتراف الفلسطينيين بسلطة الدولة اللبنانية واعتراف السوريين باستقلال وسيادة لبنان ومساندة العرب للدولة بدل تقويتهم للخارجين عليها.

وفي الجنوب ساحة الصراع المستمر يصبح الخطيب، بواسطة السوريين والفلسطينيين وأموال القذافي التي تغدق بدون حساب، واجهة الموقف. وتسقط الثكنات الواحدة تلو الأخرى بأيدي قوات عرفات وجماعة الصاعقة السورية. وفي مرجعيون يقتل بعض العسكريين الذين لم يقبلوا بالاستسلام لقوات الخطيب الذي أطلق عليها اسم "جيش لبنان العربي" ويهرب البقية مع بعض القطع الحربية إلى قرية القليعة المجاورة فيحتمون فيها ويساندهم الأهالي فيخرجون عن طاعة الخطيب وجماعاته، ولكنهم ينقطعون عن الدولة والوطن وينحشرون في قرى القليعة وبرج الملوك وموقع تل النحاس العسكري.

وبسقوط الثكنات الواحدة تلو الأخرى في الجنوب يحاول بعض الضباط القيام بحركة عسكرية لقلب الأمور والقبض بصلابة على الوضع، فيعلن العميد الركن عزيز الأحدب المعروف بوطنيته وولائه للجيش؛ البيان رقم واحد ويطلب من كل الوحدات الالتفاف حول المجلس العسكري الذي يشكله، ولكنه يطالب باستقالة رئيس الجمهورية فيرفض المسيحيون تلك الخطوة على أنها ستصبح سابقة لسلسلة من الحركات العسكرية الغير معروفة المصير والتي قد تسير بالبلاد نحو أوضاع أشد خطورة لتصبح كما حال سوريا والعراق في الستينات؛ تنام على انقلاب وتصحو على آخر. وهنا يساند قائد ثكنة الفياضية العقيد انطوان بركات رئيس الجمهورية، فتتعطل حركة الأحدب الذي لم يكن يهدف إلى زيادة التقسيم بل إلى اللحمة بشخص ضابط مسلم يؤكد على وحدة الجيش والبلاد، ويضرب الخارجين على الصف، ويعيد السيطرة على الفلسطينيين كونه يأمل بتفهم المسلمين ومساندتهم له مع وقوف المسيحيين الطبيعي مع الجيش. ولكن المسلمين لم يعلنوا تأييد الحركة، بينما رفض المسيحيون المس بمركز رئيس الجمهورية، ما جعل الضباط الذين وقفوا بجانب الأحدب يحجمون عن المضي بالحركة فتموت في مهدها.

وبعد محاولة الأحدب يزيد انضمام الوحدات المعزولة عن القيادة إلى صف الخطيب بينما تنشأ حركة الضباط الأحرار بقيادة بول فارس ولكنها لا تستقطب ولاء الثكنات ولا الشارع المسيحي لأن الأحزاب المسيحية كانت قد نزلت إلى الشارع بكثافة لتحمي الأحياء. ولما لم تستطع هذه أن تحصل على مصدر خارجي للسلاح رأت بالجيش الذي بدأ بالتشرزم، المصدر الوحيد للسلاح فسقطت بعض الثكنات في المناطق الشرقية بيد ميليشيات الأحزاب المسيحية كما كانت تسقط ثكنات المناطق الغربية بيد الفلسطينيين وجماعة الخطيب والأحزاب اليسارية.

في هذا الجو من الفوضى حيث لم يعد هناك مرجع يثق به العسكريون، بدأ كل واحد يلتحق بجماعته حيث يسكن، وكان عسكريي القرى الحدودية كما جماعة قرى عكار قد التحقوا بقراهم بوسائلهم الخاصة وبدون سلاح، فهناك تسكن عائلاتهم وأولادهم المحتاجين للحماية ولقمة العيش وقد قطعت رواتبهم ولا من دولة تحمي العائلات فكيف يستطيع هؤلاء العسكريين أن يبقوا في ثكنات تسقط الواحدة تلو الأخرى في أيدي الفلسطينيين وأحزابهم من جهة أو الأحزاب المسيحية من جهة أخرى وهم لا من معيل أو حام لأولادهم وعيالهم ولا ما يأكلون.

 وهكذا وصل إلى المنطقة الحدودية عشرات العسكريين من أبناء القرى وقد التحق بعض من لم يستطع الوصول إلى قريته من أبناء عكار مثلا في قرى جنوبية ومن أبناء الجنوب في قرى مسيحية في مناطق أخرى.

بعد سيطرة الخطيب وجماعته على ثكنات مناطق الجنوب وتعيين الرائد البوتاري قائدا لمنطقة الجنوب في جيش الخطيب وسقوط ثكنات طرابلس وعكار وتعيين الرائد المعماري قائدا لهذه القوات في الشمال، انسحبت مجموعة من القوات التابعة لقيادة البقاع بقيادة الرائد طحان إلى زحلة بينما توجه الرائد شاهين الذي كان انسحب مع عناصره وآلياته من معتصم البياضة على الطريق الحدودي إلى راشيا دون أن يلتحق فعليا بمجموعة الخطيب، توجه إلى أبلح للسيطرة على مركز قيادة البقاع التي كان يقودها العميد أنطوان لحد ويساعده العقيد ابراهيم طنوس. وكان لحد قد خيّر من قبل القيادة لتقدير الموقف والعمل بما يراه مناسبا، وكانت ألوية جيش التحرير الفلسطيني (القادسية، عين جالوت، اليرموك، حطين...) المتواجدة في كل بلاد العرب من الأردن إلى العراق إلى مصر وسوريا، قد دفع بها عبر الحدود السورية نحو البقاع لتدخل لبنان لمساندة قوات عرفات، ثم لحقت بها وحدات من الجيش السوري النظامي، وليس فقط من الصاعقة، وتمركزت في بعض أنحاء البقاع، فما كان للعميد لحد من خيار إلا أن يتفاهم مع شاهين على حماية أرواح عناصر الجيش غير المسلمين وحماية القرى المسيحية في المنطقة ويسلمه قيادتها ويلتحق بالقيادة في اليرزة. وبنفس الطريقة تم تسليم ثكنة المغاوير في حمانا لأحد الضباط الدروز على أن تتأمن حياة العسكريين المسيحيين ويسمح لهم بالوصول بدون سلاح إلى مناطق مسيحية.

كل هذه الأحداث التي أدت إلى تسلم الفلسطينيين الفعلي لما يحيط بما سمي فيما بعد بالمناطق الشرقية، تم خلال آذار 1976 وهكذا حشر المسيحيون الأحرار في منطقة مغلقة لا اتصال لهم بالخارج إلا عبر البحر الذي لم يكن أحد يعتمده للسفر ذهابا أو إيابا، وقد نصبت المدافع وراجمات الصواريخ وتوزع "الأخوة" المدججون بالأسلحة الثقيلة واللحى والكوفيات وكل الأعلام ما عدا العلم اللبناني الذي بقى مرتفعا ولو بخجل فوق أحياء من بيروت الشرقية وبعض الجبل وقسما من الشمال. وقد بدأ المتطوعون والمرتزقة بالوصول إلى كل المناطق حيث سيطر الفلسطينيون، من ليبيين وصوماليين وسودانيين وغيرهم، وقد استقدم عرفات بعض المرتزقة من دول أوروبية منهم قناصة فرنسيين، ولا تزال المقابلة التي أجرتها مجلة باري ماتش مع أحدهم شاهدا حيا حيث تكلم هذا عن مهمته في قتل كل من يستطيع في الناحية الشرقية وأن ما كان يدفع له ليس مبلغا مقطوعا بل على الرأس أي كلما قتل واحدا يحسب له مبلغا معينا من المال، وذلك لزيادة عدد القتلى ومنع التواصل بين بيروت الشرقية والغربية. ولم تفد صداقة بيت الأسد التاريخية للرئيس فرنجية في وقف سوريا لهذه الهجمات ولا لمنع تدفق السلاح والقوات عبر الحدود ولا لاحترام سيادة البلد أو حقه في الحياة، فقد كانت دمشق تنفذ حلما قديما ساور والي الشام أيام فخر الدين الذي كان أوقفه في معركة عنجر الشهيرة، وقد يكون اختيارهم لعنجر مكان إقامة "رئيس جهاز الأمن والوقاية السوري" الذي يتحكم بالبلد حتى اليوم يرمز إلى الانتقام من اللبنانيين لتلك الواقعة، أو أنها كانت ترد "الرجل" ربما لبشير الثاني الذي كان دخل الشام على رأس قواته زمن ابراهيم باشا المصري.

 وقد صمت العرب أجمعين على هذه الأحداث لا بل أيدوها ودفعوا بالسلاح والعتاد إلى لبنان ليسقط هذا البلد المميز، وقد يكون قرار مؤتمر لاهور في 1973، الذي أوصى بضرورة العمل لحكم المسلمين فقط لبلاد الإسلام قبل نهاية القرن، أحد الدوافع الأساسية للتغاضي عن هذا الهجوم وجعل عرفات ورجاله يسيطرون عليه. أما من جهة الغرب فقد تكون الولايات المتحدة أيدت تنامي الأصولية الإسلامية لتشكل الحاجز في وجه الشيوعية فترد الكيل للسوفيات وتذيقهم طعم المرارة التي ذاقتها في فيتنام، ويكون هذا التطرف الإسلامي الذي سنراه يعظم في قتال السوفيات في أفغانستان، المقدمة لسقوط الشيوعية الدولية. ولكن هل يكون عدم الاستقرار الذي تغاضى الجميع عنه في الشرق الأوسط وبالذات في لبنان، هو الحل لمشاكل الغرب والعالم الحر؟ أم مفتاحا جديدا للحرب العالمية الثالثة التي يقودها الحفاة المتعصبين يدفعهم تطرف أعمى يجعلهم قنابل موقوتة في قلب المجتمعات المتطورة لا يمكن إيقافها بالسهولة التي اعتقدها منظرو واشنطن مما سوف يضطرهم إلى خوض حروب أشد ضراوة لا تنفع فيها الأسلحة المتطورة وقوة الصدم والصواريخ، وتصبح المجتمعات التي تعيش بهدوء وطمأنينة مدعوة إلى تذوق الطعم نفسه الذي يتذوقه اللبنانيون؟...

 

 

 

الحلقة السادسة

الحصار الكبير والانقلاب المفاجئ

بعد سيطرة الفلسطينيين وما سمي بالأحزاب والقوى اليسارية التي كان جيش الخطيب أحد أجنحتها بدأت عملية الانقضاض على المناطق المسيحية التي خرجت عن السيطرة وتحصن شبابها بالأبنية وأكياس الرمل يدافعون بأسلحة الصيد وما تيسر من العتاد العسكري الذي كان البعض قد اشتراه قبل نشوب الحرب أو استعير من مخازن الجيش في المناطق الشرقية المحاصرة. وقد بدأ الهجوم على كل الجبهات فمن الشمال انطلق هجوم باتجاه شكا التي صمدت وأوقفت المهاجمين على مداخلها. وفي منطقة عاليه بدأ الهجوم باتجاه الكحالة فأوقف أيضا على ارتفاع غاليري خيرالله. أما في المتن الشمالي فقد وصل المهاجمون حتى مرتفعات الزعرور وأغلقت طريق ترشيش- زحلة. وفي بيروت، وبينما سيطر الفلسطينيون وأعوانهم على كل الأحياء الغربية، بقيت مناطق وسط بيروت حتى الفنادق بأيدي المليشيات المسيحية بينما صمدت عين الرمانة وسن الفيل والدكوانة والأشرفية والحدث وكفرشيما، وكانت مخيمات تل الزعتر والبوشرية ومناطق الكرنتينا والنبعة تشكل حواجز تمنع التواصل بين الجبل والمناطق المسيحية في العاصمة. 

وفي الجنوب قرر الفلسطينيون الذين كانوا يرون منذ البدء أن طريق القدس تمر من جونيه
، بأن السيطرة على لبنان أهم بكثير من الحرب مع إسرائيل، فتعهد الخطيب للإسرائيليين بالتزام الهدنة وعدم المس بالحدود.

ويبدأ الفلسطينيون وأعوانهم بمحاولة السيطرة على القرى التي لم تكن قد خضعت لهم بعد وخاصة تلك التي تسلح بعض أبنائها كأنصار للجيش. وتبدأ عملية الضغط بقطع المياه والبنزين والتموين عن هذه القرى، فيصبح الطحين بضاعة نادرة، والبنزين وسيلة ابتزاز، وحيث لم تنفع هذه الضغوط يرسل الفلسطينيون من يختطف مواطنين ويقتلهم كإشارة لأبناء هذه القرى بأن هذا هو المصير إذا لم يعترفوا بسلطتهم وينضموا إلى مؤيديهم. فيختطف فلاحان من عين إبل ويقتلان في خراج البلدة، ويختطف معلم مدرسة وسائق من دبل ويقتلان أيضا، كما يختطف أحد أبناء علما وأحد أبناء رميش، ويقتل سائق مستشرس أربعة شباب كانوا يتمشون بجانب الطريق في مرجعيون ويقال بأنهم كتائبيين بينما ينتسب القاتل إلى أحد الأحزاب اليسارية ولذا فهو لا يلقى إي عقاب. ثم يعرض الفلسطينيون خدماتهم، فهم "يقتلون القتيل ويمشون بجنازته" كما يقول المثل، ويدعون أن هذه الاعتداءات هي صنيعة "العدو الصهيوني" وعملائه، و يطلبون من القرى إنشاء لجان تنسيق يشرف عليها عزمي وبلال وصخر. وبغياب الجيش اللبناني الذي كان دوما رمزا للسلطة والاستقرار يخضع الأهالي لمطالب الفلسطينيين وينشئون لجان التنسيق. ويطالب جيش الخطيب بجمع أسلحة الأنصار. ويزيد عدد العسكريين الذين وصلوا إلى قرى رميش ودبل وعين إبل وعلما الشعب في هذه الفترة على المئتين بينهم بعض الضباط، ولكنهم يصلون كلهم بدون سلاح. ولم يكن في القرى سوى سلاح الأنصار وبعض القطع الفردية وأسلحة الصيد. في هذه المرحلة تعرف القرى الحدودية القهر شيئا فشيئا ويبدأ مسلسل التعديات الفردية كسرقة السيارات من أمام البيوت، وإذا ما طالب المالك بحقه فهو الذي يتعرض للسؤال والتوقيف، فجماعات الثورة والأحزاب معصومة ولها الحق في كل شيء. ويخال الفلسطينيون وأعوانهم أنهم قد طوعوا هؤلاء السكان وسيطروا على الموقف. ويبدأ التململ داخل القرى فلم يعتد هؤلاء اللبنانيون على الذل ولكن أين العون ومن أين يأتي الفرج؟ وعن هذه المرحلة المظلمة من تاريخ المنطقة يقول الشاعر الجنوبي:


صدق القوم أننا قـد فقـدنـا عـزة النفـس وانتهى الخـيلاء
وتركنـا قطيعنـا ودخلـنـا فـي قطـيـع ذئـابه شمطـاء
وغفلنا عن أنـنا رهـن أسـر قد نضحى كما تضحـى الشـاء
ونسينا كم قرية لـم تحـارب أحرقوهـا ففـاح منهـا الشـواء
إن قتلتم جماعتـي فاقتلونـي فغنائي في غـير سـربي بكـاء

أما في القليعة حيث حشر العسكريون الهاربون من ثكنة مرجعيون فقد أقيمت التحصينات لمنع أي اعتداء على البلدة دون قطع الطريق التي تمر عند مدخلها لتصل مرجعيون بمنطقة النبطية. وفي كفركلا حيث تتواجد مجموعة من الأنصار التابعين للجيش حسم هؤلاء الموقف وتعاونوا مع المجموعة العسكرية التي تتمركز في مرتفع تل النحاس وما لبثت دير ميماس أن تعاونت مع هؤلاء أيضا لتصبح القرى الواقعة بين القليعة وكفركلا تشكل منطقة واحدة مقطوع الاتصال بينها وبين سائر المناطق اللبنانية. ويقوم الفلسطينيون وجماعة الخطيب بقطع الماء عن هذه المنطقة أيضا ويتوقف وصول التموين، وعندما تضطر إحدى النساء من بلدة كفركلا للولادة، لم يكن هناك إلا شريط الحدود الذي يمر بمحازاة الطريق اللبناني، فيساعدها طبيب من الجيش الإسرائيلي لتلد طفلة تدعوها "فاطمة" ويشكر الأهالي هؤلاء "الجيران" الجدد الذين يفتحون بوابة عبر هذا الجدار المغلق منذ 1948 ويطلقون عليها إسم "بوابة فاطمة" وينصبون خيمة يتواجد فيها طبيب ويسمحون لكل جريح أو مريض بالاستفادة من خدماتها.

 كانت هذه العملية الإنسانية البسيطة مدخلا لأفق جديد فتح أمام المسؤولين العسكريين في المجموعة التي كانت تتمركز في هذه المنطقة المعزولة. وقد جرى بعدها الحديث عن تطبيب الجنود إذا ما جرحوا في القتال، ثم عن إمكانية التزود بالمياه، فأبناء القليعة كانوا يضطرون للذهاب ليلا لتعبئة المياه من الينابيع الواقعة شرق البلدة في السهل لأن الخيام كانت تتبع لوحدات الخطيب وتمنع أي من أبناء البلدة من التوجه إلى السهل أو الينابيع هناك.

وفي بيروت تقوم القيادة بإنشاء تجمعات عسكرية حيث يتواجد عسكريون لم يلتحقوا بالخطيب ولا تمكنوا من الاتصال المباشر بالقيادة فيجري إنشاء تجمع لعسكريي عكار في القبيات كما ينشأ تجمع لعسكريي زحلة وآخر لعسكريي جزين ثم تجمع لعسكريي القليعة في الجنوب وينشأ في بيروت الشرقية "جيش لبنان" بقيادة الرائد مالك ويشارك عسكريو هذا الجيش المليشيات المسيحية في الدفاع عن الشرقية.

وفي بيروت الشرقية تشح مصادر الذخيرة ويحاول بعض التجار المسيحيين شراء أسلحة وذخائر من السوق العالمية ولكنهم يفاجأون بنوع من الحظر على السلاح إلى لبنان، فقد منعت الدول الغربية بيع السلاح إلى لبنان كما كانت كل مجموعة الدول الشرقية تمنع بيع السلاح الشرقي إلا لجماعتها، أي الأحزاب اليسارية والفلسطينيين. وهكذا يجد المسيحيون أن الاستمرار في المعركة أصبح صعبا جدا. ويحاول الأمريكيون إفهام المسيحيين أن لا مجال للمساعدة إلا على الرحيل، وأن بعض قطع الأسطول جاهزة لهذه الغاية. ويكون جواب الجبهة اللبنانية كلام الرئيس شمعون الشهير للسفير دين براون أننا "سنبقى هنا كما بقي أجدادنا وإن اضطررنا سنطحن الصخر لنأكل ولكننا لن نستسلم ولن نرحل". وهذا ما أشار إليه الشاعر الجنوبي فيما بعد بالأبيات التالية:


هذه الأرض أرضنا فالروابــي بدمـانـا تعمـدت والتـلال
كانت الصخر يابس اللب صلبـا فاذابـتـه هـمـة واحتمـال
 
كـم ذبحنـا لأجلهـا وبقيـنـا داخل القبر عظمنـا شـيـال 

وفي عكار يهاجم الفلسطينيون بالاشتراك مع كل الأحزاب اليسارية وجيش الخطيب القوى المتمركزة في القبيات وعندقت ويصمد العسكريون والأهالي في الدفاع عن هذه المنطقة التي تعزل أيضا عن كل لبنان. 

في هذه الأثناء يزيد الضغط على المسيحيين في الجنوب وتقوم قوات الخطيب والفلسطينيين بمهاجمة القليعة فيصمد العسكريون والأهالي ويتوقف الهجوم بعد أن يتكبد المهاجمون خسائر كبيرة. وينقل بعض جرحى القليعة إلى الشريط للمعالجة، كما ينقل بعضهم إلى مستشفى صفد داخل إسرائيل. وعندما يحاول جماعة الخطيب الضغط مجددا في رميش لتسليم أسلحة الأنصار، يسارع الأهالي، الذين رأوا ما جرى في القليعة، إلى الجدار الحدودي علهم يجدون مساندة ما. وهكذا يفتح الجيش الإسرائيلي بوابة ثانية في وادي كفر برعم حيث تنصب خيمة للطبابة ويمد قسطل لمياه الشرب يسمح للأهالي باستعماله ونقل الماء إلى البلدة بوسائلهم الخاصة. وتملأ سماء رميش ليلا القنابل المضيئة فتعطي معنوية للرجال الرابضين حول القرية لحمايتها ويكبر الأمل فيحجم جماعة الخطيب عن مهاجمة القرية أو حتى التجرؤ على زيارتها.

وتصل أخبار ما يجري في الجنوب إلى بيروت ويرى القادة المسيحيون أن إسرائيل قد تكون مصدرا مهما للسلاح، وينطلق أحد الزوارق ليلا باتجاه الجنوب وتقبض البحرية الإسرائيلية على ركابه ويوقفون مدة قبل أن يتفاوض معهم بعض الضباط حول موضوع السلاح. وفي النهاية يتم الاتفاق على بيع بعض الذخائر والأسلحة.

ويبدأ الفلسطينيون وأعوانهم هجوما جديدا على كل الجبهات فتسقط منطقة الفنادق في بيروت ويصل المهاجمون إلى ارتفاع الميناء. وفي المتن تسقط بولونيا والمروج وتهدد بكفيا. وينظم عدد من الهجومات على الكحالة وعاريا من جهة، وعلى بسابا والشويفات من جهة أخرى، ولكنها تبوء بالفشل. ويقوم هجوم من حمانا باتجاه بيت مري للوصول إلى تل الزعتر ويوقف المهاجمون عند المونتي فاردي. وتسقط شكا في هجوم للقوات المشتركة (وهو الاسم الذي سيطلق على مجموعة اليساريين والفلسطينيين وجماعة الخطيب وكل المرتزقة الذين يحاربون في صفوفهم) وتدخلها هذه القوات وترتكب الفظائع بالمدافعين ومن بقي من السكان. ويعتقد السوريون والفلسطينيون وكل المعزوفة المعادية بأن المسيحيين قد خسروا الحرب وسوف تتم قريبا السيطرة على كل لبنان.

ولكن بعد وصول السلاح الإسرائيلي تتغير المعنويات وتصمد الجبهات أكثر فأكثر. وها هي القوى المسيحية من كل المجموعات تتعاون سوية للمرة الأولى للمشاركة بهجوم مضاد لاستعادة شكا. ويتجمع المسيحيون من الجبل وبيروت وينزل أهالي القرى الشمالية من منطقة زغرتا وبشري وجرود البترون وجبيل فتكون إحدى المواقع التي دبت الرعب في صفوف الطرف الآخر. وعن هذه المرحلة يقول شاعر الجنوب:


جمعـتـم الشـر من شتـى منابـتـه لدحر لبنان أو تقطيـع ما وصـل
فكان للحرب أغبـرة ومـا انقشـعـت حتى رأينا لـواء الشـر منخـذل
فـكـم شـهـيـد لـنـا للحق رايتـه وكم قتيـل لكـم للباطـل اعتمـل
لا تجمـع الحـق والبطـلان منـزلـة شتان ما بين من أحيـا ومن قتـل 

عندما يرى الرئيس الأسد هذه الضراوة في القتال وهذا التصميم على البقاء مسنودا بمصدر إقليمي للسلاح والذخيرة، يعرف بأن ذلك سوف يغير المعادلات ويقلب الموازين، فيرتعب. وتصبح كل ألاعيبه وسياسة الضغط التي فرضها على المسيحيين غير مجدية، لأنه، وحتى بغياب الجيش والمساندة الدولية وتحييد الغرب الذي كان دوما الداعم للبنان المستقل، ها هم هؤلاء المسيحيون يجدون منفذا يدخلون منه إلى لعبة إقليمية كان يريد وحده أن يديرها، فبقاءهم أحرار وتمكنهم من الصمود سيغير طبعا كل المعادلات. وتكون النتيجة أن ينقلب الأسد على حلفائه ويلقي ذلك الخطاب الشهير في جامعة دمشق حيث يعترف بالدور السوري المباشر في الأحداث اللبنانية، وبدخول قواته إلى الأراضي اللبنانية بدون "إذن من أحد" وذلك، كما يقول، "لحماية الثورة الفلسطينية"، ثم يتابع بأنه اكتشف "أن عرفات يريد حكم لبنان"، وأن جنبلاط "يريد الأنتقام من المسيحيين" ما لا ترضاه سوريا. ولكنه، وفي نفس الخطاب، يضع الإصبع على ما يخيفه بالفعل إذ يقول "دخلنا لنمنع قيام دولة المقهورين" وهذه هي النقطة الأساسية بسياسة الأسد خاصة وحزب البعث بشكل عام، وهي الخوف من أن يقيم المسيحيون دولة لهم تكون إسرائيل ثانية، قوية وقادرة ولا يؤثر على قرارها أحد وتتعاون مع الدولة العبرية، وهي، كما قبرص اليونانية ستكون قادرة على الاستمرار، لا بل ستصبح مركزا مهما ينال شيئا فشيئا دعم مسيحيي الانتشار، ثم دول الغرب، وفي النهاية سيتمكن من العودة للعب دور أقوى في سياسة المنطقة المتداعية والتي تتحكم فيها الخلافات والتخلف، ويسقط إلى الأبد حلم البعث القديم باحتلال لبنان، فطالما بقي جزء حر منه يعني أن سياسة الابتلاع والهضم لن تنجح. 

ويلهث الأسد صوب الرئيس فرنجية ويذكره بالعلاقات العائلية ويمنع مهاجمة زغرتا، ويوقف الهجوم على القبيات وعندقت شرط التنسيق معهم، ويوجه كل من يستطيع نحو قادة المسيحيين، فيصبح بقرادوني حلقة الوصل مع الشيخ بيار، ويرسل الرسل إلى الرئيس شمعون، ويفرض، حيث استطاع، وقفا للقتال، ويبدأ جماعة الصاعقة بتوزيع السلاح على المناهضين للفلسطينيين، وي
برز مجموعة شاهين في البقاع المختلفة عن الخطيب ويسميها "طلائع جيش لبنان العربي"، ويشيّع بأن الخطيب لعبة القذافي، ثم يلهث صوب السعودية التي تكلف السفير الشاعر بلعب الدور الرئيسي في تلافي زيادة الاتصال بين المسيحيين وإسرائيل، فكل شيء يصبح مقبولا ما عدا أن يعلن نوع من التعاون مع إسرائيل. 

ويذهب الرئيس الأسد أكثر من ذلك فيطلب من الولايات المتحدة، وخاصة وزير خارجيتها، المعجب به
، كيسينجر، التوسط مع إسرائيل والتفاهم حول ما تريد وحول الخطوط الحمر. ويطلب من الملك حسين أن يقوم بمفاوضة سرية بينه وبين إسرائيل يطلق فيها يدها في الجولان مقابل إطلاق يده في لبنان (من كتاب الجنرال لحد "في قلب العاصفة"). وتلعب السعودية الدور الأكبر في طمأنة المسيحيين ومنع الكلام على تفاهم مع إسرائيل، وتدفع باللوبي الذي يخدمها في الولايات المتحدة للضغط على الإدارة الأميركية كي تمنع "تقسيم لبنان"، ويصبح التشديد الجديد في السياسة العربية هو منع التقسيم والمطالبة بدولة موحدة. وتقوم الجامعة العربية بالدعوة إلى مؤتمر قمة.

في هذا الوقت يقوم المسيحيون بتصفية مقاومة الفلسطينيين في تل الزعتر ووصل بيروت بالجبل، بمباركة سوريا، وذلك لإعطائهم مزيدا من الثقة في أن الأمور سوف تكون أكثر استقرارا إذا ما تم التنسيق معهم والقبول بدورهم في ضبط الفلسطينيين والشارع المسلم. ويقر مؤتمر القمة العربية تكليف القوات السورية بالعمل على إعادة الهدوء إلى لبنان وإنشاء قوة ردع عربية يشكل السوريون ثلثي عديدها بينما تشارك بها وحدات من السعودية والإمارات وبعض الدول العربية الأخرى.

وفي الجنوب ينشأ تجمع آخر لعسكريي المنطقة الغربية يدعى تجمع رميش العسكري تشكله القيادة ويوقعه العقيد أميل لحود رئيس شعبة العمليات في الجيش، يومها، ويعين الرائد سعد حداد قائدا لتجمعات الجنوب وهو ابن مرجعيون الذي كان قد نال وساما لقتاله العنيد ضد الإسرائيليين في سوق الخان. ويشترط حداد احتلال ثكنة مرجعيون لتكون مقر قيادته. فتأمر قيادة الجيش تجمع القليعة باحتلال ثكنة مرجعيون، وتقوم فرقة من المشاة بالتسلل إلى الثكنة واحتلالها ويهرب المدافعون عنها بعد سقوط بعض القتلى. وفي عين إبل يحاول الفلسطينيون احتلال البلدة بعملية صاعقة لشل مقاومة السكان البدائية وقطع الطريق على توسع عملية التنسيق مع إسرائيل، ولكنها تفشل بعد سقوط قائد العملية وأربعة من مرافقيه داخل البلدة وذلك قبل وصول المجموعات المساندة له، وتصبح البلدة كلها في حالة تأهب، وينتشر شبابها على المداخل لمنع أي اعتداء، بينما تبدأ عملية التنسيق بين القرى وعسكريي التجمع لحماية المنطقة من أي اعتداء جديد. وهكذا يصبح في الجنوب مركزين خارجين عن سلطة الفلسطينيين وأعوانهم واحد في الشرق ويضم مرجعيون والقليعة وبرج الملوك حتى كفركلا ودير ميماس، وآخر في الغرب ويضم عين إبل ودبل ورميش وعلما الشعب.

ويصل السوريون إلى منطقة جزين ويدخلون بعدها مدينة صيدا بالرغم من معارضة الفلسطينيين فيقاومهم هؤلاء بمساندة جماعة مصطفى سعد ويوقعون خسائر بقواتهم ولكنهم يسيطرون على الوضع في نهاية الأمر ويتم التفاهم معهم حول حدود السيطرة وطرق التعاون.

ويقوم جيش الخطيب بالاشتراك مع كل المجموعة الفلسطينية في الجنوب بهجوم على قرية العيشية الجنوبية المعزولة في جبل الريحان والتي صمدت حتى حينه بدون معارك تذكر كونها لم تقع على محور رئيسي لتحركات هؤلاء وقد بعدت المسافات بينها وبين القرى المحيطة الأخرى، وكان سكانها المهتمين بأرضهم والعاملين بجهد وكد للاستمرار في العيش الكريم ككل سكان القرى اللبنانية
، قد حافظوا على الجيرة الحسنة وعدم التدخل بشؤون الغير، ولكن بنفس الوقت كانت لهم الشجاعة الكافية وبعد النظر لمنع تدخل الآخرين، لا سيما الأحزاب والمنظمات بشؤونهم. ومن هنا، وبالرغم من تغيير الأمور حولهم إلا أنهم حافظوا على وجودهم حتى ذلك اليوم الذي قرر فيه جماعة الخطيب وزمر عرفات أن يقتلعوهم من بيوتهم فدخلوا عليهم كالجراد من كل صوب، ولكن شباب البلدة ورجالها صمدوا ومنعوا دخول المهاجمين طيلة النهار علهم يحظون بمساندة ما أو عل المهاجمين يعودون عن غيهم، ولكن دون جدوى، فقد دخلت قوى الشر القرية وقتلت من بقي فيها من العزل داخل الكنيسة، وقد قتل في هذا الهجوم أكثر من أربعين شهيدا مدنيا بين شاب وكهل وشيخ وطفل وفتاة.

 

 

الحلقة السابعة

السلم المؤقت والحرب في الجنوب

 

تسلم الرئيس الياس سركيس مقاليد الحكم خلفا للرئيس فرنجية في أيلول 1976، وقد كان سركيس انتخب من قبل مجلس النواب في حزيران. ومع تسلمه بدأت تتبلور سياسة عربية (جديدة ؟) تجاه لبنان، وكأن مقولة الطرف الآخر بضرورة "إقصاء الرئيس فرنجية من الحكم هي الشرط الأساسي لكل تغيير على الأرض" قد جرى العمل بها وتبنيها من قبل الدول العربية[2]، التي اجتمعت في مؤتمر قمة تبعه أجواء من التهدئة سيطرت على الساحة في بيروت. وسرعان ما توقف القتال بعد أن قررت الجامعة نشر قوات الردع العربية. وقد بدأت هذه القوات التي تألفت من السوريين بشكل رئيسي بالتمركز في أحياء العاصمة، بالرغم من معارضة بعض القوى المسيحية التي رأت بأن دخول هؤلاء إلى المناطق الشرقية غير مقبول على الإطلاق، وسوف يؤدي إلى سيطرتهم الدائمة على البلد وتحويله شيئا فشيئا إلى مقاطعة سورية. وقد كان انسحاب أبو أرز من الأشرفية واعتصامه مع عدد من أعوانه ومقاتليه في جرود العاقورة موقفا بارزا لمعارضة هذا الوجود وهو الذي كان أطلق شعار معارضة وجود كل المسلحين الغرباء على كافة الأراضي اللبنانية.  

 

وصمت المدفع حول بيروت، فقد قبلت الجبهة اللبنانية بالأمر الواقع، طالما أصبح الغطاء عربيا وليس سوريا فقط، وقد طعمت قوات الردع العربية بقوات من الأردن والسعودية ودولة الإمارات وغيرها وأصبحت تأتمر، بحسب الاتفاق، بالدولة اللبنانية. وقد عين سامي الخطيب، الذي كان أحد ضباط المكتب الثاني الذين تمت محاكمتهم في بدء عهد الرئيس فرنجية، قائدا لقوات الردع العربية بعد أن رقي إلى رتبة عميد ودون أن يتبع لقيادة الجيش بل إلى الحكومة مباشرة (وتعيين الخطيب الذي كان قد التجأ إلى سوريا بعد محاكمته، لم يجعل منه إلا قائدا صوريا تحت إمرة القائد الفعلي للقوات السورية في لبنان).

 

في هذه الفترة فتحت المعابر بين شطري العاصمة وعاد الناس شيئا فشيئا إلى أعمالهم المدنية. ولكن القوى الفلسطينية لم تحل، ولا جمع سلاح المخيمات، ولم يفرض على هؤلاء أي تغيير، وقد حاول السوريون أن يظهروا أن المشكل بين اللبنانيين، وأنه لا يجب أن يزج موضوع "الثورة" في حل المشكل اللبناني، ولا يجوز تسليم سلاح هذه الثورة التي وجدت لمقاتلة إسرائيل، طالما لم تحل المشكلة الفلسطينية.  هنا بدأت تظهر النوايا السورية؛ فإذا كانت سوريا وقوات الردع لن تمس بما يسمى الثورة الفلسطينية وقواتها وهي بالأساس سبب الحرب المباشر، فهذا السلم ناقص لا بل سوف لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة، ومن هنا كان لا بد من زيادة الاحتراز في الجانب المسيحي.

 

أما في الجنوب فقد تمكن الأهالي وعناصر التجمعات من تأمين حماية القرى التي تمركزوا فيها وتحصنوا للدفاع عنها خاصة بعد ما شاهدوا بأم العين ما حدث في العيشية التي لم تكن تجهزت لهجوم كالذي تعرضت له لا بل كان الأهالي ينتظرون وصول قوات الردع، فقد كان السوريون يتمركزون في جزين والتي لا تبعد أكثر من عشرين كيلومترا عنهم، وقد حلموا بأن الحرب قد انتهت، ولم يكن هناك مجال لمساعدتهم من منطقة القليعة التي يفصلها عنهم وادي الليطاني وعدد من المزارع. وهكذا فقد هجرت القرية ليدخلها السوريون فيما بعد ولكنهم لم يسعوا أبدا لإعادة أهاليها بل جعلوها قاعدتهم الأقرب للحدود الإسرائيلية والأمثولة لأهل الجنوب عن أن الحرب لم تنته وأنها لن تنتهي قبل أن يطأطئوا رؤوسهم ويرضخوا لشروط السوريين.

 

وتتحمل القرى الحدودية في هذه المرحلة وحدها وزر حرب ضروس، لتصبح خارجة، ظاهريا، عن كل لبنان، وكأن من خطط للحرب لا يريد إنهاءها. وكما كان الجنوب منذ البدء شرارة الحرب التي أطاحت باستقرار لبنان، فالمطلوب أن يصبح، هذا الجنوب مرة أخرى، الجرح النازف الذي سيمنع استعادته العافية، ومن ثم الشعار الذي يختبئ خلفه كل عدو للبنان لا يريد له أن يستعيد صحته، والأهم استقلاله والسيادة. وهكذا يبدأ مسلسل جديد في الجنوب حيث لا يفاوض أبناءه، ولا ينتشر الجيش ليسهم في استتباب الأمن أو يمنع التعدي عليهم ليشعروا بأن الحرب انتهت وأن البلد سيعود إلى أهله وأنه لا داعي لمواصلة الاحتراز. بل تقصف القرى وتهاجم وكأنها من بلاد أخرى وشعب غريب. ويطبّل العرب كلهم ويزمرون لمن يفتحون جبهات في الجنوب، لا بل يساهمون في دفع مزيد من المقاتلين الغرباء إلى أرض الجنوب لمقاتلة أهله. وقصة ذلك الجندي العراقي مع أحد أبناء عين إبل القادم برا من الكويت في صيف 1978 والذي يدعوه إلى الافتخار بكونه من عين إبل "بلدة الأبطال"، كما يسميها هذا الجندي، الذي يقول بأنه أرسل مع الكثيرين من رفاقه إلى الجنوب لمحاربة إسرائيل فإذا بهم يحاربون في شلعبون أبناء عين إبل، تعطينا فكرة واضحة عما كان يدور في الجانب الآخر حيث فتح الفلسطينيون، بمباركة سوريا، حربا بالاسم ضد إسرائيل "المغتصبة لأرض الجنوب" بينما كانت بالفعل ضد أهل الجنوب الذين وحدهم يتحملون وزرها.

 

ولم يغمض للجنوبيين جفن طيلة سنتين، وقد دفعوا بعدد من الشهداء على مذبح الوطن، بينما كان الوطن ينعم، ظاهريا، بنوع من الهدوء، وهم وحدهم يدفعون ضريبة الحقد التي يغذيها ديكتاتوريو الشرق الأوسط للمحافظة على كراسيهم وإلهاء شعوبهم عن الحكم الفاسد الذي لم يستطع أن يحقق آمالهم في التقدم والرفاهية التي تتنعم بها قلة من المحسوبين على الحكام تخاف الأفواه الجائعة فتحاول تحويل غضبها نحو "العدو"، الذي يصبح هو وحده سبب فقرها وعوزها، بالرغم من كل الثورات والإصلاحات، وكل الخطابات والشعارات الرنانة، التي لا تعرف أن تخطط لمستقبل البلاد ولا أن توجه أهلها نحو الإنتاجية والتطور، بل تبقيها دوما مشروع ثورات تحلم بالخلافة التي تحقق العدل وتوزع الأغنام وتعيد لها الحق في أن تتصدر المجالس وتنعم بالخير من دون جهد سوى "الجهاد في سيل الله"، وهذا ما سوف يصبح شيئا فشيئا، ومن خلال أحداث لبنان، حلم شعوب الشرق الأوسط، بعد أن يتمكن المحيط من إطفاء وهج هذا المشعل المتقد الذي كان يزين هذا الشرق الأوسط، بالمبادرات الفردية وبالجهد المتواصل والانفتاح على الآخرين أينما كانوا وبدون عقد، من أجل التقدم والتطور وتحسين الأوضاع واللحاق بركب الحضارة، التي تتطلب الاستقرار أساسا، ومناخ الحرية والديمقراطية التي تحاسب المسؤول وتجعله يراجع كل خطوة وعمل قبل أن يقدم عليه.

 

بعد أن استطاعت سوريا فرض سيطرتها على كل المناطق الشرقية راحت تسعى للقضاء على مصادر السلاح الذي قد يستخدمه المسيحيون، فهي تعلم أنها لن تقدم لهم ما يريدون وسوف يطلبون منها سحب جيوشها عاجلا أم آجلا. فحاصرت قيادة الجيش بألوية مدججة من الجيش السوري وحاولت عزل كل الضباط الأحرار. فعين قائد جديد للجيش وتمت بعض التشكيلات بالضغط حينا وبالتملق أحيانا، كما عزلت المناطق الشرقية عن بعضها بواسطة حواجز ومراكز قوات الردع. ثم حولت الأنظار إلى الجنوب ودفعت بكل جماعاتها المسلحة لقتال القرى الحدودية تحت شعار محاربة إسرائيل وعملائها. وهكذا فقد حاصرت المسيحيين بواسطة الردع والدولة على السواء، فيما فسحت المجال للفريق الآخر بالإبقاء على سلاحه وجهوزيته وتدريبه ومعنوياته في ما أسمته الحرب ضد إسرائيل، وبنفس الوقت  أحرجت المسيحيين ومنعت عليهم مجرد التفكير بالانفتاح على إسرائيل من جهة، ووجهت إصبع الاتهام بالعمالة والخيانة لكل من قد يسعى للتزود بالسلاح من الدولة العبرية، من جهة أخرى. وهكذا يكون أسد الشام قد التف على الثغرة التي فتحها المسيحيون، مرغمين، مع إسرائيل للتزود بالسلاح، والتي كانت أملا لهم لعدم الرضوخ لشروط سوريا التي لا بد ستصل بهم إلى تنفيذ حلم البعث بالسيطرة على لبنان وهضمه.

 

ويبدأ مسلسل طويل ومضني من المعاناة في القرى الحدودية فقد دفع بأفواج الحاقدين من كل صوب لمحاصرة هذه القرى المعزولة، ولكن هذه المرة كان ظهر هذه القرى محميا فلم ترضخ للتهديد وقد انتشر أبناؤها يسدون المنافذ والأودية على كل متسلل غريب يريد لهم السوء. وقد تجند الصغار والكبار ووقفوا حراسا حول قراهم وبيوتهم. وكان الضغط العربي قد منع على إسرائيل أن تمدهم بالسلاح ولكنه لم يستطع أن يمنع عنهم الإمدادات الإنسانية ولا أغلق البوابات. وقد كانت الأقمار الاصطناعية الأميركية والروسية على السواء ترصد كل تحرك حول هذه البوابات وتمنع على الإسرائيليين تزويد الأهالي بالسلاح والذخيرة أو دخول أي جندي إلى الأراضي اللبنانية ولذا فقد كان على الأهالي أن يستقدموا السلاح ليلا وبشكل سري عند الحاجة.

 

 ومع بدء عام 1977 يزيد الضغط على القليعة من جهة الخيام التي يمنع المسلحون فيها، كما قلنا، على الأهالي التوجه إلى السهل، فيقرر الرائد حداد وعسكريي تجمع القليعة الهجوم على الخيام وطرد الفلسطينيين منها، ويتم لهم ذلك بالتفاهم مع العسكريين في ثكنة الخيام. ويهرب الفلسطينيون وأعوانهم وتصبح الخيام ضمن المنطقة الحرة وتقوى المعنويات وتحصن مرجعيون.  ويحاول الرائد حداد، الذي يتفاهم مع أهالي العديسة والتي تدخل أيضا ضمن المنطقة الحرة، أن ينتشر جنوبا لتحرير الطيبة معقل بيت الأسعد وحيث كان الفلسطينيون وأعوانهم قد نبشوا قبور الزعماء من بكوات بيت الأسعد وقتلوا حراس قصر الطيبة ما يرمز إلى إنهاء دور هذه الزعامة الشيعية التي واكبت لبنان وجنوبه مدة 400 سنة، ولكنه يصطدم  بمقاومة كبيرة وقرار سوري للحرب في الجنوب. ويصاب الرائد حداد في هذا الهجوم ولكنه ينقل بعملية لا تخلو من الخطر إلى المستشفى لينجو من الموت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أما في مثلث عين إبل - رميش- دبل فيتحصن الأهالي على سطوح المنازل والتلال القريبة لدفع شر "الأشقاء" ووقف الاعتداءات، ويتساقط الشهداء دفاعا عن الأهل، وترتوي الأرض مجددا بدم أبنائها الأبرار. وإذ تقع دبل برمتها تحت نار العدو المتمركز في رشاف، يصبح التحرك بين بيوتها عملا عسكريا، ونشل الماء من البئر خارج المنزل مغامرة كبرى، فكيف بمساعدة جريح أو نقل مصاب؟ ويتم دفن الموتى والتنقل داخل الأحياء تحت جنح الظلام. ولا يستسلم رجال البلدة بالرغم من عدد الإصابات بل يتمركزون على التلال المحيطة ويمنعون العدو من استهداف البيوت بالقنص فيلجأ هذا إلى القصف.

 

وفي عين إبل التي تحميها التلال يصبح القصف العشوائي أيضا الخبز اليومي للأهالي فيسقط على بيوتها وكنائسها والدير أكثر من 25 ألف قذيفة خلال سنة 1977 وبداية 1978. وتحظى علما في الغرب أيضا بنصيبها من القصف والقنص وتصبح وحيدة معزولة إلا من الباب الجنوبي الذي يؤدي إلى كيبوتس "حانيتا".

 

وتمر سنة 1977 بكاملها والجنوب يرزح تحت حمل الحرب والقصف فيهرب من يستطيع من الأهالي إلى المناطق الشرقية بوسائل وطرق لا تخلو من الذل والخطر فيلجأ الناس كلما قطعت طريق إلى استنباط طريق جديد ويتعرضون للخطف والتوقيف والإهانة. ويصبح توقيف أحد الجنوبيين على حاجز للفلسطينيين وأعوانهم نصر للثورة لا بل للأمة العربية. ويصبح كل الجنوبيين خونة وعملاء في الطرف الآخر. بينما تفتح إسرائيل مستشفياتها لتوليد نسائهم وتطبيب مرضاهم وتضميد الجراح، وأسواقها لكي يشتري هؤلاء حاجاتهم، وتفسح المجال للمحتاجين منهم بالعمل في المناطق القريبة من الحدود. ويدخل لأول مرة في قاموس المنطقة تعبير عمال المصانع وتلتحق بعض النساء للعمل في هذه المصانع، ويصبح نقل العمال إلى البوابات صنعة جديدة، ويعرف تجار المنطقة الصغار أسواقا وبضائعا لم يروا مثلها من قبل، ويدخل إلى المحلات في القرى أنواع من المنتجات، بالرغم من الحصار والقلة، لم يسمع بها أبناء المنطقة الحدودية. ولكن الجهد الأساسي لكل هؤلاء كان الدفاع عن قراهم فقد تجند الصغار والكبار ووصلت الوجبات الساخنة إلى المراكز الأمامية مجبولة بكل محبة الأمهات وخوفهن على فلذات الأكباد الرابضين يردون عنهم الظلم ويدفعون بدمائهم  شر الأشقاء وأحقادهم.

 

الحلقة الثامنة

التمدد السوري وعملية الليطاني

 

بعد أن تسنى لسوريا السيطرة على كل بيروت تحت غطاء عربي أطلق يدها في مؤتمر القمة، وقد نشرت قواتها العسكرية التي شرعتها تسمية الردع في كل الأحياء، قامت بعزل القرى الحدودية التي رأت فيها الثغرة التي فتحت باب التعاون مع إسرائيل، فحاصرتها بواسطة جماعات التخريب والحقد، وأوهمت اللبنانيين بأنها بهذا تلهي التطرف الفلسطيني والمسلم بدون أن تسيء إلى البلد الذي سيستعيد عافيته شيئا فشيئا، وما هذه الحرب في الجنوب إلا فتيلا لتنفيس الاحتقان. ولكنها بالفعل كانت تحاول أن تقضي على أية إمكانية للتعاون مع الدولة العبرية وإفهام أبناء القرى الحدودية بأنه لا يمكنهم أبدا الحلم بالانفتاح نحو الجار الجنوبي، وانهم ليسوا أصحاب قرار السلم أو الحرب، وأنهم سيكونون دوما من تقع عليهم أعباء ونتائج الصراعات التي ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل.

ثم بدأت بالضغط على المنطقة الشرقية بتوقيف المقاتلين على الحواجز وسوقهم إلى سجون دمشق. وصارت المراجعات لإطلاق سراح موقوفين من المليشيات المسيحية الشغل الشاغل للزعماء المسيحيين، وصار التحرك بين أحياء المنطقة الشرقية عملية دقيقة جدا وخطرة، وتبين أن القوات السورية تحمل قوائم بالمقاتلين وهي تنفذ خطة مدروسة وموضوعة من أعلى المستويات في القيادة السورية وليست موضوع خطاء محلي أو أي سوء تفاهم محصور. من هنا زادت قناعة المسيحيين بأن دخول السوريين إلى المنطقة تحت أي اسم كان خطأ جسيما لأن لهؤلاء مشاريعهم وخططهم في لبنان وهم لا يريدون أبدا تغييرها.

وإذ يقوم الفلسطينيون وبدعم واضح من السوريين بهجوم على الخيام يجبر عسكريي تجمع القليعة على الانسحاب بعد إصابة قائد المجموعة التي تدافع عن البلدة، يتمسك المدافعون عن مرجعيون بمرتفع الشريقة ويستميتون في الدفاع عنه وتفشل كل محاولات المهاجمين ما يجعل من مرجعيون قلعة عنيدة يقوم سكانها بالاشتراك مع العسكريين بتحصين دفاعاتها والصمود في كل المواقع المحيطة بها. أما في القطاع الغربي فتقوم مجموعة من عين إبل باحتلال مرتفع شلعبون الذي يسطر على المحور الرئيسي بنت جبيل- تبنين ما يربك الفلسطينيين في البدء ويجعلهم، وبحسب دراسات صدرت فيما بعد عن هذا الموضوع في أوساط اليسار اللبناني (مجلة فكر القومية)، يستدعون كل مقاتلي القوات المشتركة في المناطق اللبنانية للقيام بهجوم مضاد لاسترداد هذا الموقع. وإذ يخسر المهاجمون عشرات المقاتلين، يتوعد عرفات في أثناء زيارته لبنت جبيل بأنه سيدخل عين إبل ولو كلفه ذلك آلاف القتلى.

هذه الأحداث التي جرت في بداية سنة 1977 جعلت القيادة المسيحية في بيروت تنظر إلى الجنوب مجددا على أنه عنصر مهم في موازين القوى وتفهم اللعبة السورية التي تضغط بكل ثقلها لإنهاء دوره. من هنا يعود الاهتمام بالجنوب وبمساعدته على الصمود والتنظيم وبربطه بالمنطقة المسيحية بأية وسيلة متوفرة. وهكذا يعين الرائد سامي الشدياق قائدا لتجمع رميش العسكري ويصل إلى عين إبل برفقة ضابط من سلاح الطيران اللبناني هو الملازم أول جورج زعتر وهو أحد طياري الميراج ( المقاتلة الفرنسية التي كان لبنان يملك سربا منها). ويصل فيما بعد إلى الجنوب عددا من المقاتلين من المناطق المسيحية بينهم من كان مطلوبا من القوات السورية ومن أبرز هؤلاء إيلي حبيقة الذي عرف في المنطقة باسم الشيف ادوار والذي وصل مع مجموعة من المقاتلين الكتائبيين إلى القطاع الغربي بينما وصلت مجموعة من مقاتلي الأحرار إلى القطاع الشرقي.

ويمضي صيف 1977 حارا في الجنوب وتكثر فيه التعديات على المنطقة ولكن بنفس الوقت التدريبات والتجهز وإقامة التحصينات في القرى الحدودية لتصبح قلاعا يصعب دخولها. ويضيق الخناق أكثر فأكثر على السكان خاصة من جهة التحرك والتواصل مع الشمال وكأن الخوف من التهجير الذي كان السبب في تمسك أبناء هذه القرى بالأرض والتراب ومنع الفلسطينيين وأعوانهم من دخولها قد نتج عنه تهجيرهم عن الوطن أو بالأحرى هجرة الوطن القسرية عنهم. ولكن وجود رموز من لبنان بينهم جعلتهم يتأملون بأن الوضع ليس نهائيا وبأن الأمور لا بد أن تتحسن وأن الحاجز الذي زرعه الفلسطينيون والسوريون وأعوانهم من الغرباء لا بد سيزاح ويعود الوطن إلى لقاء أبنائه البررة الذين لم يقبلوا أن يرتفع على ترابه غير علمه المفدى ولم ينشدوا سوى نشيده الوطني ولم يحرك مشاعرهم إلا أرزه الخالد وتاريخ ملاحم البطولة فيه. وما هذه الأبيات التي قالها شاعرهم في هذه الفترة إلا الدليل الأكيد على ذلك:

سائل الأرز كي يعز البقـاء كم سقته محاجر ودمـاء
بحر دمع وأبحر مـن دمـاء ألف عام ولم يشح العطاء
في شمال وفي بقـاع عزيـز وجنوب أذلـه الأشقيـاء
لم نروع ولم يهز الحنـايـا غير لبنان صرخة أو نداء

أما السياسة السورية في المناطق المسيحية فقد قامت على المبدأ العثماني المعروف "فرق تسد" وصارت عملية  زرع بذور الفتنة بين القوى وتسريب المعلومات الشغل الشاغل للأجهزة. وكانت أبرز الفئات المسيحية التي قاتلت بشكل علني ومنظم في بيروت والجبل هي الكتائب والأحرار وحراس الأرز والتنظيم، بينما بقيت قوات المردة التابعة للرئيس فرنجية في الشمال وخاصة منطقة زغرتا وجوارها، ولم تنظم الكتلة الوطنية ميليشيا مسلحة وبقي رئيسها العميد ريمون إده، صاحب فكرة البوليس الدولي، متعلقا بنظريته التي تقول بأن مشاكل لبنان لا تنهيها الجامعة العربية ولن يمكن التوصل إلى التفاهم بين اللبنانيين في ظل السلاح والتدخلات الغريبة، بل يكمن الأمل في التدويل وتدخل الأمم المتحدة كقوة عالمية تكفل الأمن والاستقرار على أن يصبح لبنان بلدا محايدا يبعد عن الصراع القائم في المنطقة وتحميه هذه القوات الدولية التي تمنع التعدي على حدوده. هذا الطرح وإصرار صاحبه لم يعجب السوريين طبعا، ولذا كان لا بد من إبعاد العميد إده وطروحاته، فأخذت الأجهزة تسرب المعلومات عن نية الكتائب التخلص من إده صاحب اللسان السليط، فينتقل الأخير للسكن في المنطقة الغربية حيث تجري هناك محاولة لاغتياله ما يجعله يغادر إلى باريس. وتتولى السعودية بواسطة المليونير اللبناني السعودي رفيق الحريري مهمة تشجيعه على البقاء خارج لبنان وخارج اللعبة السياسية. وينزل في أحد فنادق باريس حيث يتعهد السيد الحريري بالتكاليف طالما بقي إده في الخارج. وهكذا يتخلص السوريون مرة أخرى من خصم عنيد ولكن غير مقاتل. ثم ينتقل الخلاف لداخل الجبهة اللبنانية حيث يوهم الرئيس فرنجية وبواسطة تقارير "المحبين" بأن الكتائب سوف تسيطر على الساحة المسيحية عاجلا أم آجلا فينسحب من الجبهة ليحمي مواقعه في الشمال. وينسحب سعيد عقل أيضا من الجبة اللبنانية ولكن بعد خلاف داخلي في حزب حراس الأرز الذي كان يعتبر المرشد والمفكر الأساسي له. وهكذا تنحصر الجبهة اللبنانية في ثلاثة لاعبين أساسيين يشكلون النسبة الكبرى للقوى المتواجدة على الساحة المسيحية وهم الكتائب والأحرار والكنيسة المتمثلة بالرهبانية المارونية. أما الفكر المسيحي فقد بقي متمثلا بالدكتور شارل مالك والدكتور فؤاد أفرام البستاني والنائب ادوار حنين.

وتكون سنة 1977 التي حوصرت فيها القرى الحدودية بشكل خانق إحدى أصعب السنوات التي مرت على الجنوبيين بينما تشهد بيروت شيئا من الاستقرار. وبالرغم من وجود رئيس جمهورية وحكومة إلا أن هذه قد غلب عليها الطابع التكنوقراطي وتركت الساحة السياسية للسوريين ما جعل دور الجبهة اللبنانية في التمثيل  الفعلي للمسيحيين يكبر أكثر فأكثر.

وبينما تضغط سوريا في بيروت والجنوب على المليشيات المسيحية ولو بشكل مختلف تشهد نهاية 1977 مفاجأة كبرى على صعيد منطقة الشرق الأوسط إذ يتوجه الرئيس المصري أنور السادات "بطل العبور" إلى إسرائيل ليصافح قادتها بكل شجاعة ويعرض عليهم السلام. هذا القرار التاريخي لقائد مصر أكبر قوة عربية جعل الأنظار تتوجه إلى القدس لتأخذ محادثات السلام المصرية الإسرائيلية كل الوهج العالمي وليس المحلي فقط. ويتأمل أبناء الجنوب بالسلام الآتي يفتح الحدود بينهم وبين أكبر دول العرب فكيف سيتهمون بعد اليوم بالخيانة عندما تصالح أكبر دول العرب إسرائيل وما معنى العداوة بعد اليوم إذا كان زعيم مصر التي حاربت عن كل العرب يفاوض الإسرائيليين على السلام الشامل.

ولكن السوريين، بالرغم من أن الرئيس السادات كان قد زار الرئيس الأسد قبل التوجه إلى إسرائيل وأعلمه بنيته، عندما درسوا الموضوع بدقة وجدوا في معارضته كسبا أكبر لهم، لأنه إذا ما عزلت مصر سوف تصبح سوريا هي واجهة العرب وسيدة الموقف ولن يستطيع أحد أن يخرجها من لبنان، لا بل سوف تصبح هي وحدها القابض على خيوط اللعبة في الشرق الأوسط. بينما لو تسنى لمصر أن تقود السلم فإنها ستصبح بلا شك سيدة العرب أجمعين ولن تكسب سوريا لا بل قد تخسر لأنها تبتز أغنياء العرب بسيطرتها على منظمات التخريب وجماعات الإرهاب وإذا ما تغير الوضع وانتهى التخريب فإن بضاعة الحكم السوري سوف تكسد، من هنا فإن محاربة إسرائيل وقيادة جبهة "الصمود والتصدي" للمشاريع "الإمبريالية والصهيونية" أهم بكثير من تأييد مشروع السادات وأوفر ربحا. وهكذا صمم السوريون على إقامة جبهة عربية لمواجهة "الحلول الاستسلامية". 

هذا القرار السوري الذي اتخذ ردا على مشروع السلام جعل السياسة السورية في الجنوب تتغير فبدل من أن يتقيد الفلسطينيون بعدم محاربة إسرائيل والاكتفاء بمحاربة الجنوبيين، تطورت الأمور باتجاه المجابهة مع "العدو". من هنا بدأت جماعة عرفات وغيره بنصب مدافع طويلة المدى تستطيع أن تطال القرى الإسرائيلية في الشمال وصار أي مشكل على الحدود يتطور إلى قصف يطال القرى الإسرائيلية هناك ما جعل الوضع يتأزم والأمور تسير نحو الصدام.

في بداية 1978 أرسلت سوريا بتعزيزات من الصاعقة السورية للتمركز بمواجهة القرى الحدودية وزادت التدخل بتفاصيل العمليات وإدارتها. وفي آذار من السنة نفسها تقوم مجموعة من عسكريي القرى الحدودية في القطاع الأوسط بالتوجه إلى مارون الرأس لمنع  الفلسطينيين من دخولها، ولكن قوات الصاعقة تحتل البلدة بهجوم سريع  ينتج عنه انسحاب الجنوبيين وخسارة ثمانية شهداء. وبعد أسبوع تقريبا تقوم فرقة من الفلسطينيين بعملية داخل إسرائيل وبالقرب من مدينة تل أفيف ينتج عنها عدد من القتلى المدنيين فترد إسرائيل بعملية سريعة داخل الأراضي اللبنانية تدعوها "عملية الليطاني" وتهدف إلى إبعاد الفلسطينيين عن الحدود حتى ما بعد نهر الليطاني. تستمر هذه العملية أسبوعا تصل فيه القوات الإسرائيلية حتى مشارف مدينة صور غربا ونهر الليطاني شمالا وحتى بلدة الغندورية في الشرق. وهكذا يزاح عن كاهل سكان المنطقة الغربية العبء الفلسطيني الذي كان أرهقهم مدة سنتين متواصلتين خاصة من مواقعه في رشاف وطير حرفا وشلعبون. بينما لم يتغير شيء تقريبا في المنطقة الشرقية فقد بقي الفلسطينيون في قلعة الشقيف وبقي السوريون في العيشية وجبل الريحان.

الحلقة التاسعة

نتائج عملية الليطاني

 

كانت أهم نتائج "عملية الليطاني" التي دخل فيها الإسرائيليون إلى الجنوب أن أزيح عن كاهل السكان الجنوبيين الضغط الفلسطيني. فقد أبعد الفلسطينيون إلى ما وراء نهر الليطاني فتنفست قرى عين إبل ورميش ودبل والقوزح ويارون وعلما الشعب والضهيرة وفتحت الطرق بين بلدات المنطقة حيث صار التجول من الناقورة على البحر وحتى مرجعيون في الشرق ممكنا سيما وأن الفلسطينيين قد تركوا الخيام بعد سقوط كل ما هو جنوب الليطاني لتصبح هذه البلدة التي هرب أهلها منها بين الكر والفر، مدينة أشباح لم يعد إليها أحد بانتظار الحلول.

 

أما في بيروت فقد ساد جو من التفاؤل في الجانب المسيحي بعد دخول الإسرائيليين، كون القضية لم تعد هذه المرة قضية عربية داخلية تحل ضمن الجامعة العربية، بل يجب أن تعرض على الأمم المتحدة وسوف يتخذ فيها قرار من أعلى المراجع الدولية، ولا يمكن أن يقبل الإسرائيليون بالانسحاب بدون أن تفكك المنظمات التخريبية التي كانت سبب دخولهم إلى لبنان. وقد عاد الحلم الذي نادى به ريمون اده، بأن يصبح لبنان دولة محايدة تحميها الأمم المتحدة من تدخل الجيران، ليصبح قريب التحقيق.

 

وفي الجنوب اعتقد المواطنون أن القضية منتهية وأن الهدوء الذي طالما تمنوه آت ومعه جيوش الأمم المتحدة التي ستحل الأمن والطمأنينة والبحبوحة في أجواء الجنوب كله، فوداعا للأيام السوداء وأهلا بالسعد القادم مع الحلول الدولية.

 

وبالفعل فقد اتخذ قرار دولي حمل الرقم 425 طلب من إسرائيل الانسحاب الفوري من لبنان، ولكنه لم يأتِ على ذكر المنظمات الفلسطينية[3] من قريب أو بعيد، ولكن القرار المرافق له وهو القرار 426 الذي يشرح آلية التنفيذ، تكلم عن تسلم الدولة اللبنانية مهمات الأمن على كامل أراضيها ونشر قواتها حتى الحدود الدولية بمساعدة قوات الأمم المتحدة. وقد تضمن هذا القرار بجوهره الحل المنشود، فالمطلوب من الدولة اللبنانية، مقابل الانسحاب الإسرائيلي، أن تسيطر فعليا على كافة الأراضي بقواها الذاتية، إي أنه عليها أن تمنع أي تواجد لقوى مسلحة غير قواها، ما يعني تفكيك قوات المنظمات الفلسطينية وجمع أسلحتها، خاصة في المناطق الواقعة بين العاصمة والحدود. وبالفعل فقد قام مجلس النواب اللبناني باتخاذ قرار بقبول القرار الدولي والعمل على تنفيذه بنشر قوى الجيش على كل الطريق الساحلي من بيروت إلى الجنوب ومنع أي وجود مسلح آخر (غسان تويني في كتابه القرار 425).

 

في الجنوب انتظر الرائد حداد قائد القطاع الشرقي والرائد شدياق قائد القطاع الغربي تنفيذ هذه القرارات بكل ترحاب واعتبرا أن المنطقة ستفتح قريبا على كل لبنان وتعود القوى العسكرية التابعة للتجمعات جزءا من عناصر الجيش اللبناني لا يفصلها عن قيادتها إي قوى غريبة. وبدأ المسلحون الشباب في القرى الحدودية، الذين انضموا إلى المليشيات للدفاع عن قراهم، بترك أسلحتهم والعودة إلى أعمالهم المدنية حتى أن بعضهم توجه إلى الناقورة مع بدء وصول قوات الأمم المتحدة للعمل هناك كعمال وموظفين. وقد دبت الفرحة في قلوب الأهل بلقاء الأحبة القادمين من الشمال والذين كانوا حرموا من زيارة قراهم.

 

وفي نيسان 1978 أي بعد شهر تقريبا على دخولهم إلى الجنوب، انسحب الإسرائيليون باحتفال رمزي أقيم على بركة ميس الجبل حيث أنزل العلم الإسرائيلي، بحضور الرائدين حداد وشدياق، ورفع العلم اللبناني كرمز لتسليم هذه المنطقة للجيش اللبناني الممثل بالرائدين حداد وشدياق التابعين للقيادة في اليرزة. عندها، وبانتظار وصول قوى الجيش التي ستؤمن المنطقة، ومنعا لأي عمليات تخرب الوضع في الجنوب، وصلت بعض وحدات من القوات المسيحية من المناطق الشرقية بحرا لحماية المناطق التي تركها الإسرائيليون ولم تتواجد فيها قوات تجمعات الجنوب، ريثما يصل الجيش.

 

ولكن هذا الانسحاب السريع للإسرائيليين من الجنوب لم يرض على ما يبدو السوريين، فهو يسلبهم مبرر وجودهم في لبنان، ويؤدي إلى ضرب مخططهم بابتلاعه عن طريق زعزعته ومنع الهدوء والاستقرار من العودة إلى ربوعه. وعندما يتم انسحاب الإسرائيليين وتفكيك المنظمات التخريبية وسيطرة الهدوء بواسطة الأمم المتحدة وقوى الدولة على الجنوب، لا يعود هناك مبرر لوجودهم هم أو قوات الردع التي يتسترون خلفها؟ من هنا كان لا بد من ضربة لمسيرة الهدوء هذه، وهي كانت بدأت في الأمم المتحدة عندما منعت المجموعة العربية بواسطة التدخل السعودي-السوري أن يتضمن القرار 425 أي ربط بين انسحاب إسرائيل وتفكيك المنظمات الفلسطينية، وقد بقي هذا الموضوع ضمنيا في القرار المرافق 426 ولم يذكر بشكل واضح، مع تكفل لبنان بتنفيذه بالرغم من عدم الإشارة له بوضوح. ولكن هذه أيضا كانت إحدى ألاعيب القيادة السورية للالتفاف على القرار الدولي ومنع تنفيذه كما سنرى.

 

يقول غسان تويني بنفس الكتاب المذكور سابقا، بأن الدولة تراجعت لاحقا عن القرار الذي اتخذه المجلس النيابي اللبناني بنشر الجيش وقوى الدولة وحدها على كامل الطريق الساحلي من بيروت وحتى الجنوب، وكان هذا طبعا تحت الضغط السوري الذي اشتهر الرئيس الحص، رئيس الحكومة آنذاك، بالخضوع له لأنه لا يريد أن يكون بطلا، فهو ليس من قماشة رياض الصلح ليبني دولة، ولا من قماشة كمال جنبلاط ليعاند سوريا، وقد رأى بأم عينه ما حل بالزعيم الدرزي، بل من قماشة الموظفين الذين يفلسفون الخضوع ويبررون الضعف بأنه نوع من العروبة أو الوطنية طالما رضي به رعاع الشارع الذين تسيرهم الأجهزة. كانت هذه أولى الخطوات التي ستجعل من الحلم الدولي الكبير مجرد سراب آخر يسقط على تراب لبنان ويطيح بهالة الأمم المتحدة وقراراتها وقواتها فيما بعد.

 

إذا بعد الضربة التي منيت بها قوات عرفات ومن لف لفها في آذار 1978 وصدور القرار الدولي الذي سيحرر الجنوب من سلطتهم ويعيد للدولة حقها في السيطرة عليه، عاد السوريون، المتضررون من الأمر، شيئا فشيئا لتخريب ما رسم، وها هم يضغطون لمنع انتشار الجيش على الطريق الساحلي، بالرغم من وصول طلائع القوات الدولية. وقد تألفت قوات الطوارئ الدولية في لبنان من وحدات من دول أوروبا الغربية: فرنسية وهولندية ونروجية وإيرلندية بينما شاركت أيضا السنغال وغينيا والنيبال وإيران بكتيبة من كل منها، وتسلم الجنرال الغاني أرسكين قيادة هذه القوات وجعل مقر قيادته بلدة الناقورة الحدودية على الساحل اللبناني. ولكن عدم سيطرة الدولة على الطريق الساحلي حزا بالأمم المتحدة لتعديل برنامجها وجعل تموينها يمر من ميناء حيفا بدل بيروت كإحدى أولى البشائر بأن طريق بيروت ليست آمنة ومن ثم جعل مدينة نهاريا الإسرائيلية مركز إقامة الموظفين الدوليين وعائلاتهم.

 

كانت هذه الإشارة كافية ليفهم الجنوبيين بأن التفاؤل الذي رافق القرارات الدولية ليس بمتناول اليد، وأنه طالما بقي الفلسطينيون يسيطرون على الطريق الساحلي فإنهم سيعودون لتخريب حياتهم اليومية، ومن ثم عودة الوضع إلى ما كان عليه عشية حركة الخطيب. من هنا حاول الرائد حداد أن يضغط على الدولة بطرد ضابط الارتباط مع الأمم المتحدة الرائد فرحات من الناقورة لكي ترسل الدولة من يفاوضه على الوضع، فسياسة بيروت لا تفي بتطلعات أهل المنطقة، ويجب أن يفهم من في السراي الحكومي بأن أهل الجنوب لهم الحق بالحياة الكريمة، وهم لن يقبلوا أن يصبحوا مرة ثانية رهينة منظمات عرفات التخريبية، بينما ينعم باقي لبنان ببعض الهدوء.

 

لكن الدولة الخاضعة لسيطرة السوريين فاوضت الرائد حداد، لا على التوازن في جمع الأسلحة من المليشيات اللبنانية في الجنوب ومنظمات التخريب على السواء، بل على إرسال وحدة من الجيش للمشاركة مع قوات الطوارئ عن طريق البقاع، وكأن الطريق الساحلي هو ملك لدولة أخرى هي دولة عرفات من جهة، أو كأن الدولة تريد الوفاء بجزء فولكلوري من دورها، وهو المشاركة بوحدة رمزية في قوات الطوارئ، من جهة أخرى، وليس باستعادة السيطرة على البلد بمساعدة هذه القوات. وعندما سأل الرائد حداد عن الضمانات على طريق البقاع هذا، كان الجواب أن سوريا هي التي ستضمن حرية التنقل عليه. إذا لا طريق آمن للجنوبيين، وهم سيمرون إما تحت رحمة الفلسطينيين وإما تحت رحمة السوريين، ولا ضمانة لأحد في الحالتين، والكل يعلم عدد المخطوفين والموقوفين والسجناء في مخيمات الفلسطينيين أو سجون سوريا. من هنا رفض الرائد حداد حل المليشيات في المنطقة الحدودية وتسليم سلاحها إلا عند حل المنظمات الفلسطينية وتسليم أسلحتها. ولو كانت الدولة، التي يساندها العالم كله بواسطة الأمم المتحدة، حرة التصرف وجدية في وضع حل نهائي لأزمة لبنان، لكانت استعملت الضغط، الذي حاول أن يظهره الرائد حداد عليها، كوسيلة لاستعادة سيطرتها على البلاد، إنما من حكم فعليا في بيروت كانت نواياه تختلف، لا بل كان هذا ما أراده بالضبط، وهو ألا يؤدي وجود القوات الدولية لحالة من الأمن والاستقرار تنهي دوره وتطالبه بالانسحاب وعدم التدخل بالشؤون اللبنانية.

 

وتأخذ الأمور مجرى آخر فبدل أن تسيطر قوات الأمم المتحدة على الجنوب ها هو عرفات ورجاله يطردون الكتيبة الفرنسية من منطقة صور بعد عدة عمليات تصادم وكمائن ومعارك محدودة يخسر فيها الفرنسيون حوالي 12 قتيل غير الجرحى، ومن بين هؤلاء الجرحى قائد كتيبة المظليين الفرنسية الكولونيل سالفان نفسه، الذي كان وعد عند سفره إلى لبنان بأنه سيعيد الأمن لهذا البلد العزيز، ولكنه عاد محملا إلى بلده، وكانت النتيجة، ليس بأن يجمع سلاح المنظمات في جيب صور، بل بأن تنسحب قوات الطوارئ الدولية منه، ويعطى هدية لعرفات ورجاله لمواجهتهم الأمم المتحدة. ولم يكتف عرفات وجماعته بمنطقة صور بل، وعندما شعر بأن القوات الدولية ليست قادرة على ردعه، أكمل انتشاره شرقا نحو مثلث جويا- محرونة- قانا حيث، وبعد عدة عمليات كالتي جرت في جيب صور استطاع أن يفرض سيطرته على هذه المنطقة أيضا التي سميت فيما بعد "المثلث الحديدي".

 

في المقابل توقفت الكتيبة القادمة من البقاع على مشارف كوكبا ولم تدخل إلى مرجعيون، ورفض الرائد حداد انتشار القوات الدولية في القرى الحدودية لتصبح هذه منطقة معزولة مجددا، ولكنها محمية من تدخل الفلسطينيين وأعوانهم.

 

ويقبل وجود قوات حداد كأمر واقع في المنطقة الحدودية بالنسبة للأمم المتحدة التي لم تستطع أن تردع عرفات. ويبدأ مسلسل جديد من القهر والألم يعيشه أهل الجنوب بعد كل الآمال الكبيرة التي علقت على تدخل الأمم المتحدة.

 

 

الحلقة العاشرة

لبنان الحر

 

بعد أن سيطر عرفات على منطقة صور من الرشدية جنوبا وحتى عين بعال في الشرق ومنع الرائد حداد نشر قوات دولية في منطقته ريثما يتم السيطرة على الطريق بين بيروت والحدود فعليا ومن قبل الدولة وحدها أو قوات الطوارئ، أصبح الوضع في الجنوب مهزلة دولية أسقطت كل الآمال المبنية على الأمم المتحدة والعالم الحر. وصار الوضع الداخلي في البلد معرضا للاهتزاز من جديد لأن السوريين كانوا قد مارسوا ضغوطا على مجلس النواب لتغيير قراره ما أدى إلى عرقلة الحل الدولي.

ويتفاقم هذا الوضع بهروب الرئيس الحص إلى الأمام. فبدل أن يقرر إنهاء الحالة الفلسطينية الشاذة في البلاد ولملمة المسلحين من الطرقات وفرض هيبة الدولة على طول الطريق الساحلي، يلجأ إلى معاقبة الرائد حداد وحده وقطع رواتب العسكريين اللبنانيين التابعين لتجمعات الجنوب وذلك ابتدأ من 1/1/1979. هذا القرار، الذي عارضه على ما يبدو الرئيس سركيس، لأنه أشار بخطابه المتلفز بمناسبة نهاية سنة 1978 "بأننا بهذه الخطوة، أي قطع رواتب العسكريين في الجنوب، نكون قد قدمنا لإسرائيل خمسمئة من خيرة جنودنا"، هذا القرار إذا، كان "القشة التي قصمت ظهر البعير" بالنسبة لأهالي المنطقة، الذين كانوا يتصورون أن الدولة التي غابت عنهم، قسرا في سنوات الحرب، ولم تستطع الوصول إليهم بالحل العربي، لا بد ستعود إليهم هذه المرة وتعيد لهم الطمأنينة والاستقرار، ولن يعود أبناؤهم مدعوون لحمل السلاح والسهر ليل نهار للدفاع عن بيوتهم وأهلهم والأرزاق، وسيعود الأساتذة والطلاب إلى مدارسهم، والفلاحون إلى الحقول التي بارت خلال الحرب، وسيرجع التجار إلى التبضع من بيروت وصيدا لا من كريات شمونه أو نهاريا أو حيفا. وهم كانوا قد حلموا بالسلم يوم خرج الجيش الإسرائيلي لتدخل قوات الأمم المتحدة. فلماذا تحل القضية بين مصر وإسرائيل ويقام سلام ويتبادلون السفراء وتفتح الحدود هناك، بينما يبقى الجنوبيون وحدهم يعانون من الجوع والحرب، ويتحملون العيش في منطقة مغلقة على لبنان وإسرائيل على السواء، فهم ليسوا أحرارا في اجتياز أي من الحدود، وهم سيعيشون مقهورين مجددا ومجبرين على حمل السلاح ذودا عن الكرامة، فأين دولتهم وأين حماتهم وأين قادتهم ولماذا سقط الشهداء؟...

كان على الرائد حداد أن يتخذ القرار فالدولة ها هي عادت لتقاد برأسين وها هو الرئيس الحص يمتثل لأوامر المحتل السوري ويعاقب الجنوبيين لأنهم تساءلوا عن المصير ورفضوا أن يرتهنوا لأي من سوريا أو عرفات، بينما يكتفي الرئيس سركيس "بغسل يديه من دماء هذا الصديق". ولماذا يعادون الإسرائيليين الذين أظهروا عن التزامهم بقرارات الأمم المتحدة وعدم رغبتهم بالتدخل في شؤون لبنان، وهم وحدهم قد أعانوهم يوم حاول عرفات وأذنابه قهرهم، وقد أبعدوا شبح هؤلاء في عمليتهم الأخيرة، وخرجوا بالفعل من كل أرض الجنوب يوم طلب منهم ذلك؟ ولماذا لا تسيطر الدولة على الفلسطينيين ويرحل السوريون، فتعود إلى البلاد حالتها الطبيعية وتستقر الأمور بوجود قوات الأمم المتحدة ريثما تستعيد الدولة هيبتها وتنظم مؤسساتها؟..

هذه الأسئلة طرحها الجنوبيون على أنفسهم، وعلى قادتهم، ولما طرحوا الصوت على بيروت، لم يكن هناك، من قبل الدولة، إلا جواب الرئيس الرمزي في خطابه بأنه يأسف لما يجري، وكأنه يقول لهم بأن لا طاقة لديه لتغيير الموقف. عندها كان لا بد من اتخاذ قرار واضح وبمستوى الأحداث، فلا يمكن العودة بعد كل التضحيات إلى الرضوخ لسلطة عرفات، ولا يظهر في الأفق أي بصيص أمل بأن بيروت ستقدر على التغيير. وقد بات واضحا بأن سوريا لا تريد إعادة العافية إلى لبنان وأن لها مشاريعها الخاصة، وهي لن تلتحق بقطار السلام الذي تقوده مصر. فكان قرار الرائد حداد في هذه الحالة بحجم الموقف، فأعلن عن نشوء "دولة لبنان الحر" في الأراضي التي يسيطر عليها وعاصمتها بيروت، وأن هدفه هو تحرير كل لبنان من المخربين الفلسطينيين وقواتهم ومن الجيش السوري الذي يربض على صدر اللبنانيين ويمنع عنهم حرية القرار ويحرمهم من إنهاء الأزمة لكي يبقى هو القابض الوحيد على خيوط اللعبة.

وكان إعلان الرائد حداد هذا الموقف خلال الاحتفال الذي جرى على بركة ميس الجبل في الذكرى الأولى لخروج الإسرائيليين في نيسان 1979 وفي نفس المكان الذي أنزل فيه العلم الإسرائيلي ليرتفع مكانه العلم اللبناني، وبعد أربعة أشهر على تنفيذ قرار الرئيس الحص بقطع رواتب العسكريين في تجمعات الجنوب.

هذه الخطوة القرار كانت ضرورية ليستعيد الأهالي أنفاسهم ويرتاحوا لمستقبل المنطقة بأنها لن تعود لتحكم بأزلام عرفات ولا لتقع تحت نيران أسلحتهم وقصفهم العشوائي. وكان لا بد من تنظيم المنطقة مجددا، فلم يعد مقبولا أن يبقى الجميع تحت السلاح صغارا وكبارا، ولا بد أن ينشأ جيش يحمي الناس ويتخصص في الدفاع عنهم، لا أن تبقى الحماية "عونة يا شباب" تقوم على أكتاف المتحمسين الذين يفتقدون في أغلب الأحيان إلى التدريب والتنظيم والانضباط. وعندما تكون المنطقة محاطة بجيوش من دول متعددة، وبدولة تدفع الغالي والرخيص في سبيل أمن مواطنيها، وبعصابات الإرهابيين الذين لا هم لهم إلا إقلاق راحة الناس وجعل حياتهم غير مستقرة وغير منتجة، وعندما يكون جيش غريب يحتل البلاد ويعيّن حكامها ويفرض سياستها، لا بد أن يبنى جيش من أبناء المنطقة يقوم على حمايتها ويؤمن استقرار الناس وعدم المس بأمنهم مجددا.

كان وجود القوات الدولية يشكل حاجزا بين جماعة عرفات و"لبنان الحر" الذي بدأ يتنظم بعد أن أصبحت حدوده "أمرا واقعا"، وها هو ينظم التجمعات العسكرية ويدرب من أراد الالتحاق بها ليصبح جزءا من الجيش النظامي الذي يتكفل حماية الحدود الخارجية ضد هجمات المتسللين من الجماعات الإرهابية، بينما تؤمن فرق الأنصار في كل قرية وبلدة حماية والسكان والأمن الداخلي.

كان هم الرائد حداد هو تأمين رواتب العسكريين والموظفين المدنيين التابعين للجيش والذين كانت تصل رواتبهم من القيادة حتى 1/1/1979، ولذا فقد طلب من الإسرائيليين تأمين هذه الرواتب التي بقيت تدفع على الصحيفة اللبنانية وبواسطة الرتباء الإداريين في جيش لبنان الحر. وقد اعتبر الرائد حداد هذه المبالغ المدفوعة من قبل إسرائيل كقرض سوف يرده عندما تعود الدولة إلى صوابها وتفرج عن رواتب العسكريين الفعلية.

إذا كان قرار اقتراض الأموال من إسرائيل لدفع رواتب العسكريين هو نقطة البداية في التعاون الذي سيستمر بين الرائد حداد وجيش لبنان الحر من جهة، ودولة إسرائيل من جهة ثانية. فما كانت إسرائيل تعطي من ذخيرة وتجهيزات عسكرية قبل عملية الليطاني كان يعتبر مساعدة بدون حساب، وأغلب هذه الذخائر والعتاد كانت من البقايا التي غنمت من حروبها مع سوريا ومصر. وكان الاتصال مع جنوب لبنان يتم بشكل مباشر مع ألوية جيش الدفاع الإسرائيلي المرابطة على الحدود. ولكن بعد إعلان "دولة لبنان الحر"  قامت إسرائيل بإنشاء وحدة "أدال" ومهمتها الاتصال بجنوب لبنان والتنسيق بين قيادته وقيادة المنطقة الشمالية في جيش الدفاع بالنسبة للأمور العسكرية،  ومع باقي إدارات الدولة بالنسبة للأمور المدنية.

كان الهدف الأول للرائد حداد تأمين الحدود فمن المهم جدا أن يشعر المواطن بالطمأنينة ليقدر على التفرغ لأمور الإنتاج الطبيعية، ومن جهة ثانية يجب أن  يشعر الإسرائيليون بأن لهم حليف قادر على تحقيق الهدوء على الحدود بالرغم من طروحاته التحريرية. أما الناحية المدنية فقد حاول الرائد حداد أيضا أن يعطيها شيئا من الاهتمام، فلا يجوز أن يشعر المواطن بأنه سجين في منطقة واسعة نسبيا، بالمقارنة مع ما كانت عليه في سنوات الحرب الأولى، وهو الذي يدفع من دمه وراحة البال، ويساهم أبناؤه في الدفاع عن هذه المنطقة. يجب إذا أن يشعر هذا المواطن بأن له نوعا من الضمانات والحقوق الإنسانية، سيما وأنه يحالف دولة راقية. من هنا كان العمل على تأمين التطبيب بالمستشفيات الإسرائيلية وتنظيم التجارة عبر الحدود، ولو كانت باتجاه واحد. وتأمين العمل في مصانع إسرائيلية قريبة، ولو كانت بأعداد محدودة. وتشجيع المزارعين بإشراف فريق من المرشدين الزراعيين والبيطريين الإسرائيليين لملاحقة الأمور الزراعية وتنميتها. وبينما بقيت المدارس في المنطقة تتبع لوزارة التربية اللبنانية، فرض الرائد حداد أن تقدم الامتحانات الرسمية للطلاب داخل المنطقة، ولو كانت في مراكز الأمم المتحدة. وفرض الرائد حداد أيضا، وربما وجود القوات الدولية، أن تعود الكهرباء إلى قرى المنطقة التي هجرتها مدة الحرب، ولكنه لم يستطع أن يحسن وضع المياه اللبنانية لأنها لم تكن مقبولة حتى قبل الحرب، فسعى لدى إسرائيل لمد قسطل من المياه لإرواء القليعة ومرجعيون من شبكة المياه الإسرائيلية في منطقة المطلة، وحفرت شركة "مكاروت" الإسرائيلية بئرا خاصة لتزويد منطقة بنت جبيل بمياه الشرب داخل الأراضي الإسرائيلية، ومدت الأنابيب وأعدت محطات الضخ وأنشأت خزان كبير لاستيعاب مياه هذه البئر ومن ثم وصلتها بالشبكة اللبنانية في هذه المنطقة. ومنعا للتعدي على حقوق الناس أنشأ الرائد حداد محكمة في كل من بنت جبيل ومرجعيون للنظر في الأمور المدنية ومحاولة حلها قانونيا كي لا يكون السلاح الذي يحمله المواطنون أداة للقهر أو الظلم، وهو الذي يجب أن يكون شريفا نظيفا لا يستعمل إلا للدفاع عن الوطن والكرامة، ولا يمكن أن تجزأ الكرامة أو تصبح قهرا للآخرين. وعلى صعيد العلاقة مع قوات الأمم المتحدة التي عمل فيها عدد لا يستهان به من أبناء المنطقة، شكل الرائد حداد فريق ارتباط مع قوات المراقبة الدولية لحل الإشكالات ومنع التجاوزات. أما الناحية الإعلامية التي كانت، في كل لبنان، ما عدا "صوت لبنان"، تعتبر حكرا على جماعة سوريا وعرفات، فقد حاول الرائد حداد أن يؤمنها، فدعا أحد المبشرين البروتستانت الأميركي الجنسية وهو السيد جورج أوتيس والذي كان يريد إنشاء إذاعة دينية في الأرض المقدسة، إلى فتح إذاعة له في مرجعيون شرط أن يعطي وقتا للأخبار التي يشرف عليها جيش لبنان الحر. وهكذا أصبح صوت الرائد حداد ولبنان الحر مسموعا بين المواطنين في الطرف الآخر من الحدود في قلب لبنان وفي سوريا والأردن وإسرائيل حيث تغطي هذه الإذاعة.

كان جيش لبنان الحر يعتمد أساسا كما قلنا على عناصر التجمعات العسكرية اللبنانية، وهي تألفت بأغلبيتها الساحقة من ضباط ورتباء وجنود مسيحيين وقد شكلت هذه العناصر العمود الفقري لجيش لبنان الحر، ولكن ومنذ أن خرج الفلسطينيون وأعوانهم من المنطقة توافدت مجموعات من الشيعة والسنة والدروز لتلتحق بجيش لبنان الحر، عدى عن أولئك الذين عملوا في قوى الأنصار، وقد جعل هذا التمازج الطبيعي لكافة الطوائف التي تؤلف المنطقة، مقولة السوريين والفلسطينيين، بأن المسيحيين يرفضونهم بسبب الامتيازات التي يريدون المحافظة عليها، ترتد عليهم، فها هم اللبنانيون يجمعون على التعاون فيما بينهم في هذه المنطقة، ويرفضون، مجتمعين، السيطرة الفلسطينية والهيمنة السورية، لا بل يرحبون بالتعاون مع إسرائيل، وإحلال السلام، وفتح الحدود، فلبنان ليس أكثر عروبة من مصر، وأبناء الجنوب ليسوا سلعة تباع وتشرى في أسواق الشام أو بيروت، ووحدهم أبناء هذه المنطقة يتحملون عواقب الحرب وقرارات المواجهة، بينما يقبع باقي المنظرين في قصورهم والملاهي لا يعبأون بما يحل بأبناء الشعب في منطقة تقل مواردها ووسائل الإنتاج بينما يزيد يوما عن يوم التعلق بها والتشبث بالأرض. فها هم اليهود، وقد تجمعوا من كافة أنحاء الأرض وأنشأوا القرى والمزارع، استطاعوا أن يجعلوا من هذه التلال الصخرية أرضا منتجة ومن هذه البقاع الجرداء جنائن معلقة، فلماذا يرحلون هم ويتركونها للخراب بسبب أحقاد الآخرين وسياسات دول العرب المتخمة بأموال النفط والتي تجعل قيمة الجهد الفردي للفلاحين البسطاء تذهب دون تقدير.

 

كانت حدود "دولة لبنان الحر" تبدأ في الغرب عند جسر الحمرا شمال البياضة على البحر وتسير في الوادي بين مجدل زون والجبين حتى شحين ثم تتبع وادي الصالحاني وتدور حول بيت ليف إلى رشاف والطيري فبيت ياحون، ثم تسير مع وادي السلوقي إلى الشرق والشمال حتى مجرى الليطاني عند الخردلي لتصل في أقصاها شمالا عند قرية دبين ضمنا، ثم تدور إلى الشرق ما بعد الخيام وتنحدر جنوبا لتضم الماري والمجيدية حتى الحدود. ولم تدخل منطقة حاصبيا ضمن لبنان الحر ولكن كان هناك مجموعة من أبناء هذه المنطقة قد التحقت بجيش لبنان الحر. أما  المعابر فقد كان هناك ثلاثة تصل بلبنان وهي: في الشرق معبر مرجعيون- إبل السقي، وفي الوسط معبر بيت ياحون-تبنين، وفي الغرب معبر جسر الحمرا. أما معابر الجنوب باتجاه إسرائيل فكانت: من الشرق معبر كفركلا- المطلة، ثم معبر ميس الجبل- النبي يوشع ومعبر رميش- بيرانيت في الوسط، ومعبر علما- حانيتا ومعبر الناقورة الدولي في الغرب. وأصبح على المواطنين العابرين شمالا أو جنوبا التزود بتصريح من رجال الأمن في لبنان الحر.

الرائد سعد حداد

 

 

الشيخ بشير الجميل

 

 

الحلقة الحادية عشرة

الخيارات الكبرى

في السنوات التي تلت نشوء لبنان الحر في الجنوب بقيادة الرائد حداد أصبح الجنوب واقعيا أحد الأرقام المهمة في المعادلة اللبنانية. ولم يعد "مكسر عصى" لأحد ولا ممرا للمخربين أو مسرحا للبكاء على أطلال العروبة المتداعية أو مادة استرزاق لجماعات "المحرومين" الذين جعلوا من مجلس الجنوب بابا للإثراء الشخصي وهدر المال العام. وقد ثبتت مقولة أن لا مشكلة أساسية بين الشعبين في لبنان وإسرائيل سوى ما كان يفرضه تضامن اللبنانيين مع العرب. وإذا بهؤلاء وعلى اختلاف مشاربهم يسعون للتعرف إلى هذا الجار والتعاون معه في جعل السلام حقيقة واقعة بين الشعوب هنا في وقت لم تكن فيه كذلك بين الدول كما كانت على الجهة المصرية.

ثلاثة أحداث مهمة أثرت في تقلبات الأوضاع في المنطقة خلال هذه الفترة وهي:

مقتل السادات على أيدي الإرهابيين ما سيجعل القادة العرب الآخرين يهابون الموقف فتتعثر مسيرة السلام ويكسب معسكر الرفض جولة جديدة، ولو أن مسيرة السلام هذه كانت قد أعادت لمصر كامل سيناء ووضعت الأسس للحل مع الفلسطينيين. وهكذا تهلل سوريا لسقوط "الخائن" وتقوى "جبهة الصمود والتصدي" ويفقد كثيرون الأمل من أن الحل في لبنان سيأتي سريعا مع السلام في الشرق الأوسط.

الحدث الثاني كان معركة الأشرفية التي نتج عنها خروج السوريين من المناطق المسيحية وصدور قرار من مجلس الأمن الدولي حمل الرقم 436 منع عليهم العودة إلى هذه المناطق. وكانت القوات السورية، التي تركزت في كافة المناطق الشرقية وخاصة في الأشرفية، قد نشرت قواتها الخاصة التي توزعت على كل مفترق طرق وداخل كل حي وبدأت بالتضييق على المسيحيين محاولة القضاء على العنفوان الذي كان لا يزال يملأ المنطقة. فما كان من بشير، وبعد أن طفح الكيل، إلا القتال دفاعا عن النفس والكرامة لإخراج هؤلاء السوريين من الأحياء المسيحية في معركة عنيفة استعمل فيها السوريون كل طاقاتهم وأسلحتهم ليدكوا المناطق الشرقية دون استثناء، وقد عزلوا الأشرفية وحاصروها وسكبوا جام غضبهم عليها؛ مدافع وصواريخ من كافة العيارات. ولكن المعركة انتهت بخروجهم هم من المناطق الشرقية مطأطئ الرأس. وهكذا وبالرغم من كل الضغوط وبالرغم من تجمع العرب عليهم، صار للمسيحيين منطقة حرة تمتد من وسط بيروت وكفرشيما إلى أعالي قمم السلسلة الغربية وتصل شمالا حتى بلاد البترون، لأن السوريين كانوا قد توصلوا قبل ذلك إلى خلق جرح كبير بين زعامة فرنجية في الشمال وزعامة الجميل وبالتالي الجبهة اللبنانية ما حيّد زغرتا ومنطقتها وجعلها تخرج عن الإجماع المسيحي في رفض الهيمنة السورية.

في نهاية 1978 إذا، كان في لبنان منطقتين تخرجان عن الهيمنة السورية وهما: لبنان الحر في الجنوب والمنطقة الشرقية في الوسط. وبينما مد الرائد حداد يده علانية لإسرائيل للتعاون والمساعدة، كان التعاون بين إسرائيل وبيروت الشرقية سريا ويقتصر على شراء السلاح وبعض المعلومات الأمنية والمخابراتية. وبالرغم من قناعتهم، بأن السلام مع إسرائيل وإنهاء حالة الحرب يخلص لبنان من أغلب مشاكله كما يريح الشرق الأوسط كله، إلا أن المسيحيين في المناطق الشرقية لم يقبلوا بالمجاهرة بأي تعاون مع هؤلاء الإسرائيليين. وقد كانت هذه النقطة بالذات نقطة ميزت العلاقة بين القيادتين في المناطق التي خرجت عن الهيمنة السورية. وبينما رأى الرائد حداد بأن مسيحيي لبنان لا يجب أن يكونوا أكثر عروبة من مصر، وهم الذين عانوا من الفلسطينيين والعرب وتدخلهم في شؤونهم أكثر من مشاكلهم مع إسرائيل، وعليهم بالتالي أن يستغلوا وجود الدولة العبرية واتفاقها مع مصر ليضغطوا، بانضمامهم إلى قطار السلام، كي يخرج السوريون من كافة المناطق اللبنانية، ما يؤدي لاستعادة سيادة لبنان وطرد المسلحين الغرباء من الفلسطينيين والمرتزقة الذين خربوا البلد، كان الرأي في الشرقية بأن التعاون مع الإسرائيليين لمصلحة لبنان لا يضر، ولكن المجاهرة به تضر دون أن تفيد. وكان بعض المنظرين السياسيين في المنطقة الشرقية يقول؛ بأن إسرائيل تريد إعطاء عرفات دولة في لبنان لتتخلص منه، ولذا فإن أي تعاون معها سيؤدي في النهاية إلى تنفيذ هذا المخطط.

لا شك بأن هذا التباين في المواقف فتّر العلاقة بين لبنان الحر في الجنوب والمناطق الحرة في قلب لبنان، وجعل التعاون بينهما، حتى في الأمور السياسية المطروحة، غير واضح. وبالرغم من أن سياسة الرائد حداد كانت تصب في اتجاه تحرير لبنان من الهيمنة السورية ونزع سلاح الفلسطينيين وأعوانهم وبناء دولة قوية تستطيع أن تحمي الوطن والمواطن من تسلط الجار وتدخله ومن الفلتان الذي أحدثه تدفق السلاح على المنظمات الفلسطينية وأعوانها، وهو ما كانت تطالب به الجبهة اللبنانية، إلا أنه لم يتلق دعما علنيا من قيادة هذه الجبهة أو مطالبتها للدولة، مثلا، تصحيح وضع أبناء المنطقة الحدودية أو فتح طريق اتصال آمن لهم، ولو عن طريق البحر، أو حتى تركيب وسائل اتصال بين الأهالي في المنطقتين.

يقول البعض بأن المسيحيين كانوا في موقف شديد الدقة فقد كان السوريون وحلفاءهم في لبنان ينتظرون أي مبرر للانقضاض عليهم مجددا بينما لم ينجح معسكر السلام في اجتذاب الدول العربية لدخوله خاصة بعد مقتل السادات. ويدعي آخرون بأن إسرائيل لم تكن ترضى بتدخل أي كان في موضوع جنوب لبنان لكي تبقي هي على سيطرتها فيه وتمسك وحدها بورقته. كما يزيد البعض الآخر على ذلك بأنه لا داعي للتنسيق مع حداد كونه يأتمر بالإسرائيليين الذين لنا معهم اتصالات وتنسيق. ويقول أعداء بشير بأن سبب عدم التنسيق الواضح بين المنطقتين يعود لعدم سماح حداد بقيام ميليشيات في الجنوب ما قلص تأثير الأحزاب في المنطقة. ومن جهة أخرى يرى البعض بأن العربية السعودية ودول عربية وإسلامية أخرى لعبت دورا مهما في هذه المرحلة لمنع أي مجاهرة بالتعاون والتنسيق بين اللبنانيين وإسرائيل أو حتى حداد. وهنا لا بد من الإشارة إلى كلام منسوب للرئيس سركيس بأن أخطر شخصية ساهمت في إطالة الأزمة في لبنان كانت السفير السعودي "علي الشاعر"، وقد يكون هذا الكلام صحيحا لأن التطرف الوهابي وامتلاكه المال من جهة، وحاجة اللبنانيين لدول الخليج كمجال عمل وكسوق من جهة أخرى، جعلا القيادات اللبنانية حساسة تجاه السعوديين.

الحدث الثالث كان غياب أو تغييب الإمام موسى الصدر الذي كان له شديد الأثر على المجتمع الشيعي والذي سيفقد غيابه شخصية لبنانية محورية ساهمت في لملمة الطائفة الشيعية وجعلها عنصرا مهما في القضية اللبنانية.

كان الإمام الصدر بالرغم من تنسيقه مع السوريين في مواقف عدة، ذا شخصية قوية استطاع أن يجمع أبناء طائفته الذين تبعثروا بين المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية في بداية الحرب، مقدمة ليكون لهم دور مركزي في الساحة اللبنانية لا بل الشرق أوسطية. ولم يرق هذا الموقف للسوريين دائما، كما لم ينل الرئيس الأسد ما كان يصبو إليه من الإمام؛ وهي الفتوى بأن العلويين جزء من الشيعة، ولذا فقد غاب الإمام بين الشام وطرابلس أو بين طرابلس وغيرها من العواصم، لتفقد ليبيا تأثيرها على الأرض اللبنانية، بالرغم من كل ما دفعت من أموال ومرتزقة، وحتى اشتراكها بقوات الردع، وتهجّم القذافي على المسيحيين. ويفقد الشيعة رأسهم ويهيمون لفترة في ضياع يستغله السوريون ليمسكوا شيئا فشيئا بقيادة أمل بواسطة تيار البقاع، حيث لهم التأثير الأكبر، ويطلقون جماعتهم للضغط على شيعة الجنوب ليتم ترويضهم ولملمتهم تحت الجناح السوري. في هذه الفترة وبسبب الضغوط الفلسطينية على جماعة أمل في جويا يهرب مسؤول الحركة في البلدة حيدر الدايخ ويلتجئ إلى لبنان الحر، فيستقبله الرائد حداد ويسكنه في بنت جبيل ويصبح حيدر هذا رمزا للتعاون بين أمل في الجنوب وجيش لبنان الحر. ويكبر الاتصال وتزيد المساعدات التي يطلبها حيدر من قيادة جيش لبنان الحر ويسلمها بدوره لعناصر الحركة لكي يستطيعوا حماية أنفسهم في منطقة عاد الفلسطينيون للسيطرة عليها بالرغم من تواجد القوات الدولية فيها. وهكذا يعتبر جيش لبنان الحر والإسرائيليون عناصر أمل في الجنوب في تلك الفترة "قوات غير معادية".

من جهة أخرى تبدأ في إيران الأحداث والقلاقل التي ستؤدي إلى زعزعة حكم الشاه الذي كان يعتبر في فترة ما أحد أقوى حلفاء الغرب في المنطقة والذي سينتهي بسقوط الملكية في أيران ليحل محلها "حكم الولي" في رجعة إلى أيام الخلفاء لا بل إلى حكم ديني متعصب ومتسلط هو الأكثر راديكالية وأصولية وتطرف في زمن الانفتاح العالمي. هذا الحكم الجديد الذي يريد تصدير "الثورة الإسلامية" إلى كل مكان انطلاقا من الشرق الأوسط، وطبعا من ساحته الأولى لبنان، حيث يسهل التأثير على الشيعة فيه الذين ينتمون إلى نفس الطائفة ولم يعرفوا بعد ماذا يريدون في بلد غير مستقر ومفتوح على كل التوجهات والتيارات والاحتمالات، هذا الحكم الجديد يصطدم إذا، ومنذ أيامه الأولى، بالعراق ما يؤثر على الساحة اللبنانية أيضا بأن تطلق يد سوريا في الوسط اليساري كليا، (لأنه كان للعراق أيدي ومنظمات تابعة على الساحة اللبنانية؛ من البعث العراقي إلى جماعة أبو نضال وأبو العباس وغيرهم). وهكذا وبعد خروج ليبيا من الملعب اللبناني وإلهاء العراق بحربه مع إيران وعزل مصر بموضوع السلام و"جبهة الصمود والتصدي" تنفرد سوريا بالقرار على الساحة اللبنانية بدون منافس ويسهل التلاعب بالأرض وفرض الأمور أكثر فأكثر.

في بدء الحرب العراقية الإيرانية يقف السوريون على الحياد في العلن كي لا يغيظوا العرب وخاصة السعودية وجماعة الخليج (مصادر التمويل) الذين كانوا يرون بهذه الثورة خطرا عليهم وبأن حرب صدام حسين على إيران هي الحرب الوقائية التي ستؤخر الهجوم الفارسي والتمدد الشيعي والثورة الأصولية التي قد تطيح بالبيوت الحاكمة في بلاد النفط. ولكن السوريين في قرارة نفوسهم كانوا يؤيدون إيران ضد العراق، فالهاء صدام حسين يعطيهم المجال للتحكم بالساحة الشرق أوسطية وبالانفراد بالموضوع الفلسطيني واللبناني الذين يشكلان في النهاية "قضية العرب" ومصدر الابتزاز. من هنا كان عليهم المضي في حربهم المحدودة ضد إسرائيل. وهكذا تطلق في الجنوب سلسلة جديدة من العمليات ضد جيش لبنان الحر تقوم بها المنظمات الفلسطينية بإشراف غرفة العمليات الموحدة للجيش السوري وما يسمونه ب"الحركة الوطنية" وتقوم هذه على عمليات التسلل وزرع الألغام على الطرق في حرب عصابات محدودة تجعلهم يسيطرون أكثر فأكثر على الأرض دون أن يغيظوا الإسرائيليين بشكل كبير إذ إن عملياتهم تتم ضد جيش لبنان الحر وسكان المنطقة الحدودية وليس داخل الحدود الإسرائيلية.

 

 

الحلقة الثانية عشرة
من هو هذا "العدو"؟

في المرحلة الأولى التي بدأ فيها التعاون "المفروض" بين اللبنانيين في الجنوب والإسرائيليين، إي قبل عملية الليطاني 1978 والتي أعقبها، كما سبق، نشوء "لبنان الحر"، لم تعد إسرائيل بالنسبة للجنوبيين ذلك "العدو اللئيم" الذي ينتظر أية فرصة للانقضاض على كل ما قد يشكل فريسة، والذي لا يعرف للإنسانية معنى، كما صوره الإعلام العربي طيلة ثلاثين سنة ونيف، ولكنه بقي ذلك "الجار المرهوب" والذي لم نتعرف عليه بعد. فقد اقتصر الدخول إلى إسرائيل في السنوات الأولى أي بين 1976 و1978 على الجرحى الذين ينقلون إلى المستشفيات الإسرائيلية وبعض اللبنانيين الذين لهم أقارب في إسرائيل ويطلبون لهم القيام بزيارتهم، بالإضافة إلى عدد محدد من التجار الذين يدخلون في يوم معين من الأسبوع إلى "كريات شمونة" لشراء بضائع يحتاجها السكان في جنوب لبنان، وبعض من سمح لهم العمل على الحدود، وهؤلاء لم يكونوا ليتوغلوا داخل إسرائيل. وكانت سيارة الإسعاف هي التي تنقل أهالي الجرحى لزيارتهم في المستشفيات.

ولكن بعد نشوء "لبنان الحر" تغير الوضع وتنظّمت المعابر فسمح لكل من يرغب بالدخول إلى إسرائيل؛ إن للزيارة أو للتبضّع أو للحج أو السياحة... كما سمح لعدد من سيارات الأجرة اللبنانية بنقل من يريد الدخول إلى إسرائيل، وأعطيت هذه السيارات الأرقام التي كانت لسيارات الجولان وهي تبدأ بحرف القاف ("كوف" بالعبرية) وكانت  تمثل "القنيطرة" السورية، وسمح للبنانيين بالعمل في المصانع الإسرائيلية في كل الجليل. وبينما كان طبيب الجيش الإسرائيلي هو الذي يقوم بفحص السكان اللبنانيين، قبل فتح الحدود، ويعطي بعض الأدوية، واقتصر الدخول إلى المستشفيات على الجرحى والنساء الحوامل، حيث كانت الولادات تتم في المستشفيات الإسرائيلية، فإنه بعد نشوء "لبنان الحر" أصبح هناك مراكز طبية على البوابات يقوم بخدمتها أطباء لبنانيون وإسرائيليون، بالإضافة إلى ممرضات لبنانيات، ويبقى بتصرفهم سيارة إسعاف جاهزة، كما يحق لهم تحويل أي مريض يحتاج إلى دخول المستشفى. وصارت العمليات الجراحية على أنواعها تتم في المستشفيات الإسرائيلية وعلى نفقة دولة إسرائيل. كما سمح لمن يريد شراء البضائع من إسرائيل، ولم يعد يقتصر ذلك على أشخاص معينين أو عدد محدود من التجار. وهكذا تعرف اللبنانيون على هذا الجار في المعاملات اليومية وبشكل مباشر، فإذا به، ليس فقط، مثل كل الناس لا بل أفضل في أمور كثيرة، فقد تنظّمت دولته في شتى المجالات حتى أصبحت تضاهي الدول الأوروبية والأميركية، وتطورت صناعته وزراعته.

 وتعرف اللبنانيون أيضا على العرب الإسرائيليين الذين يعيشون "في مهد عيسى" كما يقول المثل، فهم يتنعمون بكل التطور الذي بناه اليهود، وخاصة بالأمن الذي يفتقد إليه اللبنانيون، ولهم كافة الحقوق (الانتخاب، الطبابة، الشيخوخة، التعلم في الجامعات، العمل وقوانينه والوظائف...) ولكنهم يمتازون عن اليهود بأن أولادهم لا يخدمون بالجيش ولا يتعرضون لأخطار الحروب مع أن هذه الناحية تقلل من فرصهم في بعض الوظائف لصالح من يخدمون بالجيش.

 وتعرف الجنوبيون على دروز إسرائيل، خاصة من خلال خدمة هؤلاء بالجيش وعلى الحدود، وتعرفوا أيضا على البدو الذين هم أيضا يخدمون بالجيش الإسرائيلي كما الشركس. وكثرت زيارات من لهم أقارب في إسرائيل خاصة الدروز في الماري والبدو في الضهيرة. وشيئا فشيئا صار المجتمع الإسرائيلي منفتحا على الجنوبيين وبدأت المشاركة في الأمور الاجتماعية والمناسبات العائلية، مع العرب في البدء، ثم مع الأصدقاء الجدد من اليهود. وهكذا بدأت تبنى علاقات خاصة ويتعرف الجنوبيون أكثر فأكثر على هذا المجتمع وتلونه وتميزه والعادات الخاصة بكل من فئاته، فقد حافظت كل فئة على عاداتها وتقاليدها؛ وبينما كان "الكيبوتس" مثالا للقرية التعاونية والتي فاقت "الكولخوز" و"السوفخوز" السوفياتيين من حيث الاشتراكية الكاملة والإنتاجية العالية وبنفس الوقت التمتع بكل جوانب الحضارة الحديثة حتى السياحة والسفر، فإن "الموشاف" شابه قرى أوروبا الغربية في التنظيم حيث تشتري الشركات الكبرى كل إنتاج المزارع وتنقله هي دون حاجته لشغل البال. أما المدن فقد توزعت في كل البلاد طولا وعرضا وكثرت فيها مراكز الإنتاج الصناعية والخدماتية واتصلت بشبكة حديثة من الطرق العريضة ووسائل الاتصال.

 وهكذا فقد وجد الإسرائيليون أنفسهم قادرين على الاختيار بين النظام المماثل لأرقى الدول الاشتراكية وحتى الشيوعية من جهة، والنظام الأكثر انفتاحا وليبرالية من جهة ثانية. وتنوعت الأحزاب السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين واستطاع كل فرد أن يجد البيئة التي تناسبه، وإذا بالمغاربة واليمنيين والعراقيين وغيرهم من اليهود الشرقيين يعيشون في بيئاتهم وتقاليدهم بينما يعيش البولونيون والرومانيون والروس وغيرهم من اليهود الأوروبيين في مجتمعات تناسب كل واحد منهم. وإذا كان الدين واللغة الجديدة (العبرية) التي يتعلمها الكل والتاريخ المتشابه لهذا الشعب؛ إن في الشتات أو الغيتو أو الاضطهاد عبر العصور والشوق دوما إلى "أرض الميعاد" التي يجب أن تصبح الوطن الدائم وينشأ فيها جيل متجانس متضامن، فإن الخدمة العسكرية والتضحيات والحروب والحقد الذي يحيط بهؤلاء هم الحافز الأكبر لهم للانصهار والعطاء. ولكنهم سياسيا تمسكوا بنظام ديمقراطي خفف من عبئ الحروب والتشبه بالمحيط الذي تحكمت فيه أنظمة توتاليتارية فرضت الرأي الواحد ديكتاتورية السلطة.

كان الجنوبيون هم أول شعب من المحيط يتصل بالإسرائيليين مباشرة وهذا ما جعله محط أنظار الجميع فهؤلاء مشتاقون للتعرف بهذا المحيط المغلق عليهم أيضا، وبحاجة ماسة لجار يمكن أن يؤمن له. وبالرغم من أن مصر بعد السادات لم تقطع العلاقات مع إسرائيل ولم تتراجع عن الاتفاقيات، ولكن الانفتاح بين الشعبين تعرض لنكسة كبرى. فبينما دفق الإسرائيليون إلى مصر عربا ويهودا للسياحة والتبضع فإن المصريين لم يقابلوهم بالمثل، حتى أن الأيام الأولى التي كانت فيها الحافلات الإسرائيلية والمصرية تعمل على قدم وساق في نقل الركاب من إسرائيل إلى مصر ثم تعيدهم إلى إسرائيل، سرعان ما فترت وخفت حتى التلاشي، وبينما بنى بعض العرب الإسرائيليين، خاصة في الناصرة، آمالا على السياحة نحو مصر والسياحة المعاكسة، إذا بهم، وبعد السنة الأولى، يكتشفون أنهم ليسوا على الرحب والسعة، وحتى السلطات المصرية زادت شيئا فشيئا تعقيد الأمور خاصة على الحدود. ولم يسعَ أحد في مصر على محو صورة "العدو" عن هذا الإسرائيلي، ولم يُكتب مقال في جرائد مصر المهمة يدعو إلى تناسي الماضي والعمل نحو مستقبل علاقات الجيران الطبيعية التي يفرضها السلم. وبالطبع كان هذا الموقف متأثرا بعض الشيء بالهجمة الأصولية التي بدأت في مصر ثم في إيران بعد نجاح ثورتها الإسلامية التي أخذ بريقها يلفت أنظار المسلمين، ومن جهة أخرى، الحرب التي شنتها سوريا وأزلامها في جبهة "الصمود والتصدي" على "عملاء الغرب" و"المتصهينين"، والشماتة التي تباهت بها في مقتل السادات، ما أرغم النظام الجديد في مصر على "ضبط النفس" وانتظار المناسبة لسحب سفيره من إسرائيل وتجميد العلاقات، بالرغم من حلحلة كل الأمور التي كانت عالقة في "كمب دايفيد" وحتى إعادة "طابا" للسيادة المصرية.

استغل الجنوبيون هذه الثغرة التي فتحت لهم ليدخلوا إلى عالم لم يعرفوه من التكنولوجيا خاصة في المجالات الزراعية الحديثة ومجالات التصنيع واستغلال الطاقة الشمسية مثلا حيث ينعم الإسرائيليون منذ الستينات بالمياه الساخنة وعلى مدار السنة بواسطة المرايا الشمسية التي تتربع على كل السطوح. وبسبب قلة المياه طوروا الري بالنقط وتفننوا بهذا الموضوع وبأنواع من الأنابيب البلاستيكية الرخيصة الثمن. وقد حسنوا نسل الحيوانات وخاصة الأبقار التي تعطي كميات كبيرة من الحليب سنويا وتتأقلم مع طقس المنطقة. وقد دعي "الجار اللبناني" إلى المعارض التجارية والصناعية والزراعية التي لم يكن يحلم أن يرى مثلها خاصة في لبنان المنشغل في حرب تعيده كل يوم إلى الوراء. وأصبح الرائد حداد ضيف التلفزيون الإسرائيلي المفضل وحديث الإذاعات والصحف.

كان هذا الباب مهما بالنسبة للجنوبيين الذين عزلوا في أقصى الحدود وحرموا من الاتصال بالعاصمة وبالأهل ومنع عنهم التطور ليصبح أولادهم كلهم حملة بنادق ومتاريس لصد هجومات "الأشقاء" وردع "محبتهم" من أن تحرق البيوت وتشتت سكانها. وهكذا تعرف الشباب على مجتمع مناضل حقيقي يمكن أن يقتدى به من حيث الإنتاج والعمل ومن حيث التنوع والديمقراطية. وتعلم الصغار أن هناك دوما أمل للمقهورين طالما تعلقوا بالأرض وتشبثوا بها وعملوا مجتمعين على تطوير الوسائل الكفيلة بالتقدم، ولكنهم بنفس الوقت تعلموا أيضا أن لكل شعب قيمه وأخلاقياته وهي عطية من الله عليه المحافظة عليها.

إلا أن الناحية المشرقة في الجنوب كانت تقابلها عودة نحو التشدد في الشمال وصارت العمليات السورية التي يقوم بها الفلسطينيون وأعوانهم تزداد شيئا فشيئا ويكفهر الجو، وتصبح عناصر الأمم المتحدة، التي كانت في البدء تقوم بتوقيف المخربين، محرجة، إذ أنها لا تؤدي إلى منعهم من التسلل بل إلى تشجيعهم عليه، فقد طلبت "الدولة اللبنانية" من الأمم المتحدة بأن تسلم قواتها أي متسلل توقفه على حواجزها أو دورياتها إلى ضابط الارتباط في الجيش اللبناني العامل مع الأمم المتحدة الذي يقوم بإطلاقه فورا والاعتذار منه وتسليمه سلاحه، ما جعل هؤلاء المسلحين يقومون بتسليم أنفسهم فور الانتهاء من عملياتهم التي يقومون بها داخل "لبنان الحر" ليتم نقلهم بسيارات الأمم المتحدة إلى صور بدون الحاجة إلى السير على الأقدام أو إرسال من ينقلهم، وكأن الأمم المتحدة أصبحت شاهد زور لا بل عنصر مساعد على قتل أبناء لبنان الحر.

 وهكذا وفي نفس السياق يصبح "تيمور غوكسيل" التركي الجنسية والذي يشغل منصب الناطق الرسمي باسم الأمم المتحدة في جنوب لبنان والذي يسكن في نهاريا ويتناول طعامه في مقاهي الناقورة التي يديرها أبناء "لبنان الحر"، أكثر من يصرح ضد جيش "لبنان الحر" لكي يرضي الدولة اللبنانية، كما يبدو، ويحافظ على وظيفته بينما لا تعترض إسرائيل عليه طالما لم يذكر الجيش الإسرائيلي بسوء ولا تريد أن تتدخل بالدفاع عن الرائد حداد الذي لم يعط لهذه التصاريح قيمة تذكر معتبرا أنها مثل باقي تصاريح "الأعداء" في بيروت أو دمشق أو غيرها من دول الجوار المعاد.

 

الحلقة الثالثة عشرة
التصعيد

شهدت الساحة الجنوبية تدرجا في تصعيد العمليات ضد "لبنان الحر" وكانت هذه قد بدأت بزرع ألغام على طرق المراكز العسكرية، وكان المخربون يتبعون طرقا جديدة في زرعها كلما طور الجيش وسائل لكشفها. كان تنفيذ هذه العمليات يتم من قبل مجموعات صغيرة من الفلسطينيين لا تتجاوز أحيانا الثلاثة عناصر. وكان يجري معظمها في أماكن تقع على حدود المنطقة حيث لم يكن "جيش لبنان الحر" يقوم بدوريات أو كمائن في المناطق التي تسيطر عليها قوات الطوارئ الدولية ما سهل التسلل، خاصة وأن المنطقة تكثر فيها الأحراج والتضاريس الطبيعية.

في بدء انتشار القوات الدولية كانت عناصرها تقوم بدوريات وكمائن لتوقيف المسلحين ومصادرة أسلحتهم، وذلك من أجل تنفيذ مهمتها التي تقوم على بسط سلطة الدولة "وحدها" حتى الحدود، أقله داخل منطقة عملها، ولكنه عندما بدا واضحا لهذه القوات أن الدولة اللبنانية لا يهمها وقف هذه العمليات، وجدت نفسها تقوم بتمثيلية هزلية لن تؤدي أبدا لحل القضية لا بل إلى التصعيد، وإذا بها تنسحب الواحدة تلو الأخرى. فبعد سحب الكتيبة الفرنسية من جيب صور، ها هم الهولنديون ينسحبون أيضا، وتخف همة الإيرلنديين الذين فرض عليهم الوزير اللبناني "محمد شعيتو" معركة مع "الرائد حداد" حول بلدته "الطيري"، التي تقع داخل "لبنان الحر" والتي أرادها أن تخرج منه بالقوة، ما أدى إلى توتر دائم حولها، بالرغم من تنازل "الرائد حداد" عنها، لتصبح الأحراج التي تحيطها ممرا للمخربين يستعملونه، تحت عيون القوات الدولية، لزرع الألغام على طريق رشاف، ما جعل هذه المنطقة نقطة ساخنة كلفت الجنوبيين عددا كبيرا من الشهداء والجرحى، ولم تهدأ إلا يوم تمركز "جيش لبنان الحر"، بعد إحدى العمليات التي ذهب ضحيتها أربعة جنود بسلسلة من الألغام التي زرعت على طريق رشاف، في مرتفع "شقيف النمل" قاطعا طريق التسلل بين "حداثا" وأحراج "الطيري". وقد دفع الإيرلنديون أيضا ثمن مواجهتهم العناصر المتسللة من الفلسطينيين إذ خطف لهم هؤلاء ثلاثة جنود في منطقة دير انطار لم يعرف مصيرهم.

هذا التصعيد الذي بدأ بالألغام أظهر هشاشة الوضع وعدم جدية الدولة، كما قلنا، وأجهض جهود القوات الدولية لتصبح شاهد زور على عودة سيطرة عرفات وجماعته، ومن خلفهم السوريين، على الأوضاع، وعودة العمليات العسكرية، التي أخذت تتطور؛ من زرع الألغام، إلى القصف الصاروخي والمدفعي، الذي أعاد الأهالي إلى أجواء حرب السنتين، ثم إلى المدفعية الطويلة المدى التي تطال، ليس فقط القرى الإسرائيلية على الحدود، إنما مدنا كبرى نسبيا مثل "نهاريا" و"صفد" و"كريات شمونة".

وكان الفلسطينيون قد أعادوا سيطرتهم شيئا فشيئا داخل مناطق تواجد الأمم المتحدة، وأصبحت "ياطر" مثلا مركزا لجماعة "الجبهة الشعبية" تنطلق منها العمليات نحو "بيت ليف" كما كانت "حداثا" مركز انطلاق العمليات نحو "رشاف"، و"برعشيت" مركز العمليات ضد "بيت ياحون"، و"المنصوري" ضد البياضة وغيرها من المراكز. ثم نصبوا المدافع الميدانية من عيار 130 مم في منطقة "القليلة" لتقصف "علما" ومحيطها والتي تطال "نهاريا".   

ويعود الوهج لهذه المنظمات وتسيطر على بعض المناطق وتزرع أزلامها حيث استطاعت، ولكن وجود القوات الدولية يسمح ببقاء بعض القرى خارج هذه السيطرة، ويشعر المواطنون بسيطرة هؤلاء المسلحين وبقدرتهم على اختطاف أي كان بالرغم من وجود القوات الدولية، وهذا ما يحدث بالفعل لثلاثة موظفين في شركة الريجي من قرية رميش كانوا يعملون في تبنين لشراء موسم التبغ وقد اختطفوا ونقلوا إلى بيروت ولم يعودوا إلى أهاليهم إلا بعد أشهر من المفاوضات والوساطات مع أصحاب الشأن. 

هذه العودة إلى لعب دور "المقاوم" ضد "لبنان الحر"  تنعكس على الداخل اللبناني حيث تعظم معنويات "القوات المشتركة" ويبدأ هجوم من نوع آخر على المناطق الشرقية، تقوده المخابرات السورية، وتستعمل فيه كل الوسائل لزعزعة الأمن في هذه المناطق، وتصبح السيارات المفخخة والخوف منها الشغل الشاغل للناس، ويأخذ الشك مجراه بين المجموعات التي تقاتل جنبا إلى جنب، كما تصبح السيطرة على الأحياء موضوع نزاع أحيانا.

وبعد مخاض عسير لم يخلو من التضحيات، تتم ولادة القوات اللبنانية في بيروت بعملية جراحية تكلف عددا من القتلى والجرحى وتكاد تقسم المجتمع المسيحي في الشرقية، لولا الموقف المشرف للرئيس شمعون الذي قبل بالاستمرار في  ترأس الجبهة اللبنانية، بينما أصبح بشير القائد الفعلي والوحيد للقوات اللبنانية الموحدة.

ويسعى بشير أولا لضبط الوضع الداخلي في الشرقية، ثم لنقل المعركة إلى عقر دار السوريين في البقاع. وتصبح زحلة، وهي أكبر مدينة مسيحية في الشرق، مركز المقاومة ضد السوريين، وتصلها الإمدادات من الجبل، ويتكاتف أبناؤها مع عناصر القوات اللبنانية التي تدافع عن المدينة، فيثور السوريون ويصبوا جام غضبهم؛ مدافع وصواريخ تدك المدينة، ولا تفرق بين المعاقل العسكرية والبيوت، ولا تستثني المدارس والكنائس والمستشفيات، ويقطع السوريون طرق الجبل باستعمال المروحيات لإنزال الفرق الخاصة، ويشكل هذا التطور باستعمال سلاح الطيران خرقا للخطوط الحمر بين إسرائيل وسوريا، وقد تكون القوات اللبنانية اعتمدت على أن سوريا لن تجرؤ على استعمال الطيران وخرق الاتفاق مع الإسرائيليين، ولكن، وبالرغم من قيام المروحيات السورية بعمليات الإنزال على التلال التي تفصل زحلة عن جبال صنين، لم يسجل اعتراضا علنيا لإسرائيل أو قيامها بأي عمل مباشر لوقف هذا الخرق. وتصمد المدينة بالرغم من الحصار والهجومات أشهرا متواصلة. ويحاول الرائد حداد الضغط على صيدا لفك الحصار عن زحلة، فيقوم بقصف محيطها.

وتنتهي قضية زحلة التي كان المسيحيون يتأملون أن تأخذ اهتماما دوليا يحميها من تدخل السوريين، كما حصل في الأشرفية، بحل قبل به المفاوض عن زحلة النائب الياس الهراوي، ويقضي بانسحاب المقاتلين الذين وصلوا إلى المدينة من بيروت وعدم دخول الجيش السوري إلى المدينة، على أن يكفل الأمن فيها قوات الدرك اللبناني. وفي هذه الأثناء يقوم الطيران الإسرائيلي، متأخرا، بإسقاط مروحيتين سوريتين قرب زحلة، في إشارة ربما للخطوط الحمر، أو قد يكون لإفهام المعنيين بأن إسرائيل قادرة على ضرب الطيران السوري عندما ترغب بذلك.

بعد انتهاء موضوع زحلة بهذا الشكل، تزداد معنويات جماعة عرفات في الجنوب، وتزيد الاعتداءات والقصف، بسبب أو بدون سبب، على الأراضي الإسرائيلية، وتبدأ إسرائيل بالتشدد في لهجتها وقصف أهداف المخربين في لبنان. ويقوم الطيران الإسرائيلي بالتحليق وبقصف بعض المراكز العسكرية للفلسطينيين، ولكن الأمور لا تهدأ. وتقصف إسرائيل، بعد إحدى عمليات القصف الفلسطيني، كل الجسور المؤدية إلى الجنوب لعزل المنطقة والضغط على أصحاب الشأن لوقف الاعتداءات وإبقاء اللعبة لبنانية داخلية، ولكن السوريون يرفضون هذا الضغط ويعتبرون بأن الطيران الإسرائيلي هو المشكلة، فيقررون إدخال صواريخ مضادة للطيران إلى لبنان ونصبها في البقاع لتغطي بمداها الأجواء اللبنانية.

وتصبح كل الطائرات الإسرائيلية معرضة للصواريخ السورية، ويبدو السوريون جادين بمنع الطيران الإسرائيلي من التحليق في الأجواء اللبنانية. وبينما تعمل المكنة الديبلوماسية الإسرائيلية عملها للضغط على سوريا لسحب صواريخها من لبنان، يقوم سلاح الطيران الإسرائيلي بإطلاق طائرات استطلاع بدون طيار لدرس طرق عمل هذه الصواريخ والموجات التي تستخدمها راداراتها للسيطرة على عملية التوجيه. ويسقط السوريون هذه الطائرات الواحدة تلو الأخرى، وتعظم معنوياتهم ومعنويات جماعاتهم في لبنان، ويصبح القصف المدفعي والصاروخي للمدن الإسرائيلية عملية طبيعية، سيما وأن الطيران لم يعد قادرا على التحليق.

ويستمر هذا الوضع حتى حزيران 1982 حيث تقرر إسرائيل إنهاء هذا الوضع الشاذ ووقف التعرض لسكانها بالقصف المدفعي والصاروخي من قبل الفلسطينيين في جنوب لبنان.

 

الحلقة الرابعة عشرة
الاجتياح

بعد أن استنفد الإسرائيليون كافة الوسائل لردع عرفات وجماعته، واعتقد السوريين بأنهم باتوا يمسكون كل خيوط اللعبة؛ فقد سيطروا على الحكم في لبنان، وعلى جماعات التخريب فيه، وعزلوا المناطق عن بعضها لفرض حالة من الخوف على كل اللبنانيين، وبالتالي فهم وحدهم من يقرر وقف الحرب أو الاستمرار فيها، وهم من يغذي عمليات التفجير هنا وهناك، ونفسوا دور الأمم المتحدة وقواتها بعد أن كانوا فعلوا الشيء نفسه مع الجامعة العربية التي كانت غطت تدخلهم بقوات الردع، ثم نسفوا عملية السلام التي كان قادها الرئيس المصري أنور السادات والتي تبنتها الولايات المتحدة وتوجتها باتفاقات "كمبد يفيد"، وحشروا إسرائيل تحت ضغط المنظمات من جهة ووحدات الأمم المتحدة من جهة أخرى، فأفقدوها حرية التحرك وفرضوا عليها نوعا من حرب الاستنزاف جعلت الجليل يعيش بقلق دائم، ولم تعد حتى الطائرات قادرة على تأمين وقف التعدي خوفا من الصواريخ السورية، بعد كل ذلك قررت إسرائيل القيام بعملية واسعة لاستئصال المخربين وتنظيف قواعدهم ومنع التعدي من جديد على سكانها الآمنين في الشمال تطلق عليها اسم "عملية سلامة الجليل".

من الطبيعي أن تكون أية عملية ضد قواعد المخربين في لبنان مفيدة للبنانيين، وخاصة أبناء الجنوب، فأية ضربة تقوم بها إسرائيل، تريح الجنوبيين من خطر منظمات التخريب، وتحد من قدرة هؤلاء على القيام بعمليات ضد لبنان الحر. ولكن الأهم أنه إذا ما قامت إسرائيل بعملية كبرى تطيح بقدرات المنظمات الفلسطينية، يصبح هناك أملا باستعادة العافية للبنان، لأنه إذا ما نزع السلاح الفلسطيني، سوف يستطيع اللبنانيون العودة إلى التوافق على ثوابت الوطن، وتقطع الطريق على سوريا التي تزرع الشقاق بينهم وتهددهم دوما بسلاح الفلسطينيين.

وهكذا، وعندما بدأت أرتال الدبابات الإسرائيلية تعبر قرى جنوب لبنان باتجاه الشمال، شعر أبناء لبنان الحر بالفرح، وبقرب لقاء الأحبة، وفتح الطرق نحو العاصمة. وشعر اللبنانيون في العاصمة أيضا بأن أيام إرهاب عرفات ورجاله إلى زوال، وبأن تحكم سوريا بكل الخيوط سوف يتغير، ولا بد أن يعود الاستقرار للبنان الدولة، وتنسحب كافة الجيوش وعصابات التخريب منه، ليعود إلى البناء بعد عهود التخريب التي لحقت به.

كان الهجوم الإسرائيلي قد بدأ يوم الأحد السادس من حزيران 1982 (وهو نفس التاريخ الذي بدأت فيه حرب 1967) حوالي الظهر، وقد دخلت القوات الإسرائيلية على المحور الساحلي من بلدة يارين سالكة طريق الجبين إلى البياضة، ومن ثم الطريق الساحلي حتى الرشيدية جنوب صور، بينما كان المحور الثاني باتجاه النبطية.

لم يبد الإسرائيليون سرعة في التحرك ورغبة في الوصول إلى عمق كبير، إذ أمضوا اليوم الأول في عملية تطويق مخيمات الرشيدية وبرج الشمالي على المحور الساحلي، ولم تتجاوز قواتهم مدينة النبطية على المحور الداخلي، وفي نفس الوقت لم يواكب الهجوم في اليوم الأول بغطاء جوي واضح، ولكن الغطاء المدفعي كان قد شل كل تحرك فعال لمدفعية الفلسطينيين أو صواريخهم.

في اليوم الثاني خسر الإسرائيليون عددا من الجنود بالإضافة إلى ثلاثة آليات في كمين نصبه الفلسطينيون على مدخل صور في منطقة البص، قاده عزمي مسؤول فتح في صور، وكان العملية العسكرية الوحيدة التي قام بها الفلسطينيون في منطقة صور. أما على محور النبطية فقد تقدمت القوات نحو الزهراني ومداخل صيدا لتبدأ بتطويق مخيم عين الحلوة.

قد يكون الإسرائيليون في عدم السرعة في الهجوم قصدوا أن يتركوا المجال لمقاتلي الفلسطينيين للهرب، حتى إذا ما تم الاستيلاء على المنطقة تكون خالية من جيوب المقاومة، ولذا فهم لم يدخلوا على كل المحاور الممكنة، بل ركزوا هجومهم في اليوم الأول على المحورين المذكورين، ثم ما لبثوا أن دخلوا على محور بنت جبيل- تبنين- جويا. وفيما بعد على محوري العيشية - جبل الريحان وحاصبيا البقاع.

أهم ما جرى أثناء الهجوم الإسرائيلي هذا كان المواجهة مع السوريين، وقد تمت في مجالين مهمين؛ الأول في الجو وكان بدأ بعملية القضاء على قواعد الصواريخ السورية المضادة للطائرات، وأظهر فيه الإسرائيليون عن المستوى التكنولوجي الرفيع، حيث تمكن سلاح الجو الإسرائيلي، بعد دراسات قامت بها طائرات الاستطلاع التي كان يسقطها السوريون، من السيطرة على توجيه الصواريخ وإعادتها نحو قواعدها الأرضية، ما أدى إلى ضياع فعاليتها وهرب حامياتها. أما المواجهة الثانية فقد كانت عندما قرر الرئيس الأسد استعمال سلاح الطيران السوري بكل قوته لتغطية المعارك الأرضية التي كان يقوم بها الجيش السوري في قتاله التراجعي في الشوف، فأرسل طائراته التي كانت تهوي الواحدة تلو الأخرى، حتى بلغ عدد الطائرات التي سقطت في ذلك النهار 85 طائرة، ولم يعد لدى سوريا ما تقاتل به في الجو، ما كشف قواتها وجعلها عرضة لقصف الطيران الإسرائيلي.

أما المواجهة الأرضية فقد كانت فرضت على السوريين، إذ أنهم اعتقدوا بأن الإسرائيليين لن يتجاوزوا منطقة الأولي، ولن يدخلوا الشوف، فأوعزوا إلى جنودهم بالصمود هناك، ليظهروا عن قدرتهم في مواجهة الإسرائيليين، ولولا قرار وزير الدفاع الإسرائيلي يومها، أريال شارون، بضرب الجيش السوري في الشوف، لكان السوريون ضحكوا على العالم، كما يضحكون على اللبنانيين والعرب حتى اليوم، بأنهم هم من أوقف إسرائيل وكسرها في دخولها إلى لبنان، ولكن القرار الإسرائيلي بتكملة الهجوم ومواجهة السوريين، جعلهم يظهرون على حقيقتهم، ويخسرون المعركة، ويفقدون طائراتهم وعددا كبيرا من مقاتليهم، بلغ، بحسب الرئيس الحسيني، تسعى آلاف أما الرئيس بري فقد تكلم على 13 ألفا.

بعد خمسة أيام على بدء الهجوم الإسرائيلي وصلت طلائع جيش الدفاع إلى ضهر البيدر والحدث وبعبدا وهكذا فقد قطعت الطريق على السوريين والفلسطينيين وحوصروا في بيروت الغربية. أما في البقاع فقد توقف الهجوم الإسرائيلي على ارتفاع السلطان يعقوب شمال راشيا وسيطر الإسرائيليون على الخط الممتد من كامد اللوز إلى كفريا في السفح الشرقي لجبل الباروك.

الدخول الإسرائيلي هذا فرض واقعا جديدا على الأرض، وسحب الأوراق من يد السوريين، وجعلهم هم من يستجدي اتفاقا. وهكذا فقد قبلوا بدخول القوات المتعددة الجنسية، وانسحاب اللواء السوري الذي يرابط ببيروت الغربية، ومن ثم سحب عرفات وجماعته من لبنان وتوجههم إلى تونس.

من هنا كانت ردة فعل اللبنانيين اختيارهم الشيخ بشير الجميل، قائد القوات اللبنانية، والذي لم يخف من تحالف قواته على الأرض مع الإسرائيليين، ووقوفهم على الحواجز، وتنسيق الأمور الأمنية معهم، رئيسا للجمهورية في انتخاب جرى في قاعة المدرسة الحربية في الفياضية، حيث ترأس السيد كامل الأسعد رئيس المجلس النيابي الجلسة وأعلن عن اكتمال النصاب القانوني ومن ثم عن فوز الشيخ بشير الجميل بالرئاسة.

كان هذا كثيرا على اللبنانيين، فقد انتهى عهد تسلط منظمات التخريب، وانسحب الجيش السوري الذي يتدخل بكل شيء ليبقى مسيطرا على البلد، وانتخب الشيخ بشير، الذي شهد له بفرض النظام والأمن في المناطق الشرقية، وفرض الانضباط على عناصر المليشيات، وتنظيم المجتمع المدني بشكل أعطى الجميع نوعا من الطمأنينة، ودفعهم إلى الولاء لهذا الرجل، الذي كان وعد قبل سنة بأن يكون لبنان 10452كلم مربع وطنا للبنانيين جميعا، ولكنه سيكون الوطن الذي يؤمن حرية الأقليات وعدم خوف المسيحيين من المستقبل.

هذا التطور جعل الجنوبيين موضوع اهتمام، لا بل أعطاهم ما كانوا فقدوا من التقدير بسبب وقوفهم ضد الفلسطينيين وتحالفهم مع الإسرائيليين طيلة السنوات الست الماضية التي سيطر فيها السوريون، ولم يعودوا وحدهم متحالفين مع الإسرائيليين، فها هي القوات اللبنانية، التي أصبح رئيسها رئيس كل لبنان، تتحالف علنا، هذه المرة، مع هؤلاء الإسرائيليين، وتنسق قواتها، كما يفعل جيش لبنان الحر، كل الأمور مع هؤلاء، ولم يعد التعاون مقتصرا على التدريب وشراء الأسلحة أو بعض المعلومات الأمنية، إنما ها هو يفسر تحالفا فعليا على الأرض، تماما كتحالف الرائد حداد وجيشه معهم. وها هم عناصر حركة أمل الشيعية يتعاونون مع الإسرائيليين في الجنوب، ويساهمون بجمع أسلحة المتعاونين مع الفلسطينيين، ليصبح الشيعة كلهم، وليس فقط حركة أمل، في الجنوب أكثر من قوات غير معادية لا بل عناصر حليفة.

وهكذا تتحول العلاقة مع الإسرائيليين، في خلال أسابيع معدودة، ومع انتهاء القتال، إلى حالة سلام واقعي، فيدخل اللبنانيون من صيدا بباصات شركة "إيجد" الإسرائيلية إلى مطار بن غوريون للسفر، ويصبح هذا المطار، ومعه معابر الناقورة والمطلة، مراكز اكتظاظ للبنانين، وتستقبل إسرائيل أفواج الزوار والسائحين والحجاج اللبنانيين، ويدخل المدنيين الإسرائيليين إلى لبنان أيضا. ويدل عدد الذين دخلوا إلى إسرائيل من لبنان عن طريق بوابات العبور في الناقورة والمطلة قبل نهاية عام 1982 والذي وصل إلى 700 ألف زائر، عن رغبة أكيدة لشعب لبنان في السلام بين البلدين، هذا عدى عن التجارة التي قامت، والتي فتحت باتجاه واحد، فكيف لو أنه قدر للبنانيين إدخال بعض منتجاتهم إلى السوق الإسرائيلية. وفي نفس الوقت فقد أظهر الشعب الإسرائيلي حماسا شديدا للدخول إلى لبنان للسياحة والتنزه وقضاء العطل، كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون، وهم يتمتعون بقدرة شرائية عالية، فالدخل القومي في إسرائيل مرتفع نسبيا ما يساهم في تشجيع المواطنين على السياحة والترفيه، بينما يعتبر لبنان بلدا سياحيا مها في هذا الشرق الذي يفتقد لواحات الترف والاسترخاء.

في هذه الأجواء الإيجابية والتي ملؤها الأمل، ينسحب عرفات ورجاله من بيروت على بواخر تقلهم إلى اليمن وتونس، بحماية القوات المتعددة الجنسية، وتنسحب هذه القوات بعد إتمام مهمتها، ويبدأ الشعب اللبناني بالتحضر للسلام وورشة البناء والتنظيم، التي سيقودها الرئيس الشاب بشير الجميل. وتقبع سوريا في زاوية التاريخ منتظرة القرارات الحاسمة التي ستنهي تواجدها في لبنان، وبالتالي سيطرة حزب البعث في سوريا.  ويخاف الرئيس الأسد من تسليم جثث الجنود الذين قتلوا في معاركه ضد الإسرائيليين في لبنان، ويقوم الجيش السوري بإخفاء جثث جنوده في البرادات وعدم تسليمها للأهل، لكي لا ينتج عن ذلك شعورا بالخيبة وعدم القدرة، ما يؤدي بلا شك إلى زعزعة الحكم وإمكانية ظهور حركات التمرد، وهو أكثر  ما يهابه الرئيس الأسد وقيادته.

 

الحلقة الخامسة عشرة
سوء التفاهم الكبير

في عيد الصليب الخامس عشر من أيلول 1982 كان الرئيس المنتخب الشيخ بشير الجميل يقوم بآخر اجتماع في الأشرفية لوداع عناصر القسم وخاصة الطاقم الذي شهد انطلاقته. وكان أن انفجرت عبوة أدت إلى هدم المبنى واستشهاد الرئيس القائد وعدد من رفاقه تحت الأنقاض. هذا الحدث سيهدم الآمال التي كانت بنيت لعودة البلد إلى الاستقرار والاستقلال والتحرر من كل الهموم والمشاكل التي رافقته.

كان الشيخ بشير أمل اللبنانيين ولكنه كان أيضا مركز الثقل في لبنان الجديد، فهو الذي يفاوض الإسرائيليين، وهو الذي أصبح رقما في المعادلة الدولية، وهو الذي بعد أن خرج عرفات ورجاله طلب من القوات المتعددة الجنسية الانسحاب من لبنان، ولو بلسان الرئيس سركيس. وهو كان قد فاوض السعوديين على سحب مساندتهم لعرفات وسوريا، وسعى إلى التفاهم الداخلي مع سلام عن السنة وارسلان عن الدروز بينما بدا كامل الأسعد وكتلته النيابية حلفاءه عن الشيعة بالإضافة إلى زعامات أخرى. وكانت سوريا تجر أذيال الهزيمة وتحاول لملمة الجراح بعد خروجها من المعركة مع إسرائيل بخسائر بشرية ومادية في العتاد والتجهيز لن تستطيع أبدا تغطيتها بوسائلها الخاصة. وكان حلفاء سوريا قد تفرقوا؛ فعرفات صار في تونس، بينما ذهب بري إلى الولايات المتحدة وجنبلاط إلى الأردن واضعان نفسيهما بتصرف الرئيس الجديد. ولم يكن هناك أية قيمة للتنظيمات الأخرى الصغيرة التي حاربت المنطقة الشرقية.

ولكن استشهاد الرئيس الذي أسقط الآمال في الجانب الحر من لبنان أعاد بعضها إلى جماعة سوريا. فمن كان خلف هذا العمل ومن خطط له ونفذ، إنما أصاب مقتلا في جسم الوطن وأعاد خربطة كل الأوراق وقلب الموازين، وأعاد الأمور وكأن شيئا لم يكن، لتصبح عودة الأوضاع إلى سابق عهدها من التدهور قصة وقت ليس إلا. فمن هو هذا المخطط القدير ليسرق النصر الإسرائيلي مع كل التضحيات التي تكبدتها الدولة العبرية، ويخربط الموازين على الساحة الداخلية والخارجية، ويعيد إلى سوريا وحلفائها الأمل بأن الأمور لم تنته بعد وأن طاولة اللعب فتحت من جديد؟

من الطبيعي أن تكون الكتلة الشرقية التي يقودها الاتحاد السوفياتي والتي كانت تعاني من ضغوط داخلية بعد سياسة الرئيس ريغان القوية وبرنامج حرب النجوم الذي خلخل التوازن الاستراتيجي بين الجبارين وسمح بتفوق الولايات المتحدة ما أدى إلى بداية التدخل الغربي في أمور حقوق الإنسان داخل دول الكتلة الشرقية وخاصة بعد بداية فشل تدخل حلف وارسو في أفغانستان، من الطبيعي إذا أن تعتبر هذه الكتلة نفسها من ضمن الخاسرين، فها هو الهجوم الإسرائيلي يزيد من نجاح حلفاء الولايات المتحدة، وخاصة إذا ما قام لبنان ليصبح من جديد دولة غربية الهوى والنظام، في منطقة دفعت فيها الكتلة الشرقية الكثير من الجهود والأسلحة لتزعزع بواسطة جماعة اليسار و"الثورة الفلسطينيين" أحد أهم معاقل الحرية والنظام الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد يروي السيد جورج حاوي رئيس الحزب الشيوعي اللبناني، يومها، كيف أن الرئيس الأسد كلفه القيام بجولة على كافة رؤساء دول حلف وارسو ليطلب المساعدات لسوريا ويشرح الموقف في لبنان. ويضيف السيد حاوي بأنه استطاع أن ينال موافقة الجميع على تأمين إعادة تسليح سوريا بكل ما خسرته في حربها ضد إسرائيل، فأن يصبح لبنان مجددا مرتعا لأساطيل حلف شمال الأطلسي، بعد أن كان يعتبر بوابة "الثورة العالمية" ومركز التدريب والتخطيط لكل مشاريع الثورات في العالم الحر، طرح غير وارد.

ولكن لماذا قتل بشير وهل لم يكن من الممكن أن يتم هذا بوجوده؟

لا شك بأن وجود بشير في السلطة في لبنان كان سيؤدي إلى الاستقرار، ولا شك أيضا أنه كان سيضيف إلى ديمقراطية الطوائف في لبنان ما يؤدي إلى ثبات في الحكم وقوة للسلطة لن تكون ديكتاتورية دائمة، كما هي الحال في الجوار، ولا حكما ديمقراطيا هشا لا قرار فيه بسبب التذبذب الداخلي وتعدد الولاءات الخارجية. ولا شك بأن دروس الحرب ومشاكلها والانقسام الذي ساد المجتمع كان سينقلب تعاونا بين الفرقاء في عصر رئيس واضح السياسة، صاحب قرار وجرأة، وقادر على طرح الأمور بكل بساطة، ومواجهة الصعاب بكل إصرار. من هنا فقد كان وجود بشير في أي مشروع جديد لقلب الطاولة، أو عدم وجوده، يجب أن يؤخذ بالحسبان.

النقطة الثانية والمهمة هي التعاون المسيحي- الإسرائيلي وهو العنصر الأهم في قلب الموازين، ولذا يجب أن تتخلخل هذه العلاقة، وهنا يجب اللعب على محورين؛ الأول مسيحي داخلي ويقوم على زرع الشقاق والشك في جبهة كانت متماسكة وفي أوج انتصارها، والثاني هو إسرائيلي داخلي يجب أن يقوم أيضا على حجب الثقة عن حكومة الليكود وقلب الانتصار في لبنان لخيبة، من جهة، وتصوير لبنان بأنه مستنقع من الوحول يجب الخروج منه بأية طريقة.

أما النقطة الثالثة فهي عالمية وتتوجه إلى الرأي العام في العالم الحر، وتقوم على خلق حالة "إنسانية" تعظم دعائيا وإعلاميا يبدو فيها الحلف المسيحي- الإسرائيلي هو المجرم بحق الإنسانية، وهذه مادة تتلقفها بكل طيبة خاطر بيوت الإعلام الغربية، التي طالما أدارها اليسار العالمي وأثر بها، لتتكفل هي بتكبيرها وتضخيمها، ما سيجعل عملية تخليص المسيحيين ولبنان من الكابوس الفلسطيني، عملية قذرة أخرى تنسب إلى هؤلاء الإسرائيليين وحلفائهم المسيحيين، ما يزيد تباعدهم، ويسمح بالقسم الثاني من العملية، التي ستكون الرد العسكري، والتي يجب أن تتم بكل العنف المطلوب، للتأديب والعبرة، ولكن بدون أن يتكلم عنها العالم أو يحاول الإنجاد.

إذا كان الهجوم المضاد تركز على ثلاثة محاور ولكل منها ردة فعل درست بدقة، وكانت الضربة الأولى والتي لا يجب أن تخطيء هي اغتيال بشير وبأية وسيلة ممكنة، ولذا فقد عهد فيها إلى المخابرات السورية من جهة ومخابرات الفلسطينيين من جهة ثانية، ولكن دقة العملية وسرعة التحرك المطلوبة وعدم التسريب، تطلبت تنسيقا أعلى، قد تكون رعته الماكينة السوفياتية نفسها. وقد قامت فرق التشويش بنفس الوقت بعملها لزرع الشك في الداخل، فوردت معلومات "مهمة" لجهاز الأمن في القوات أبعدت قائده عن حضور اجتماع الأشرفية، ما سيؤدي إلى تسريب الشائعات فيما بعد بأن له ضلع في العملية كونه لم يكن كعادته برفقة الباش. واستعملت مواد متفجرة جديدة مرت بسهولة على حراس المكان، وكان تجنيد الشرتوني الذي يسكن فوق بيت الكتائب لوضع المتفجرة هو الدور الذي قام به الحزب القومي حليف سوريا والذي يضم عناصر مسيحية يمكن تجنيدها لعمل كهذا، بينما تولى جهاز الأمن الفلسطيني عملية النقل والتسليم.

أما المحور الثاني فكان ضرب جهاز المخابرات التابع للولايات المتحدة، وهو العين التي ترى وتحلل وتستبق الأمور، وكان ذلك في انفجار السفارة الأميركية الذي أودى بحياة عدد من كبار مسؤولي المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط.

أما المحور الثالث فقد تركز على السياسة الداخلية في إسرائيل، فكانت مظاهرة تل أبيب التي ضمت حوالي 200 ألف ثم الهجوم المركز على شارون في قضية صبرا وشاتيلا ما أدى، ليس فقط إلى سقوط حكومة بيغن، ولكن إلى اعتزاله السي&