من يقرع طبول الحرب هذه المرة؟

بقلم/الكولونيل شربل بركات

 

عوّدنا "الأشقاء" العرب على مقولة أن "العدو الصهيوني الغاشم" هو الذي يفتعل الحروب ويبدؤها، ولكن خلافا للحروب على جبهة لبنان، حيث كان القتال مستمرا منذ اتفاق القاهرة بسبب غياب الدولة التي من المفترض أن يكون لها الحق بأن تعلن الحرب من طرف لبنان أو تمنعها، ولتوافق على هدنة ما أو تخرقها، وحيث أن هناك مجموعات تطلق على نفسها أسماء تختلف بحسب الظروف، وتتخذ لها شعارات تتنوع بحسب الأوضاع، هي من يناوش إسرائيل بدون رأي الدولة ويقوم بالاعتداء عبر الحدود بدون التنسيق معها، حتى إذا ما كثرت هذه المناوشات والردود المحدودة وقامت إسرائيل بعملية واسعة نوعا ما نعتبرها واحدة من حروب لبنان، بينما الحروب التي جرت على بقية الجبهات وخاصة منها المصرية والسورية والأردنية كانت دوما حروب تقرر هذه الدول إعلانها وتتحضر لها. وقد قامت ثلاث حروب أساسية بين هذه الدول وإسرائيل كانت كلها تبدأ من جانب العرب بما فيها حرب 1967 التي كانت الضربة الأولى فيها على الجبهة المصرية لإسرائيل إلا أن الرئيس المصري عبد الناصر يومها كان هو من أعلنها منذ طرد قوات الأمم المتحدة من سيناء وإغلاق مضائق تيران على البحر الأحمر.

 

اليوم وبعد اتفاقيات السلام بين إسرائيل وكل من مصر والأردن، وبعد قيام الحكم الذاتي في الأراضي الفلسطينية واستمرار التفاوض على قيام الدولة الفلسطينية، هناك عنصر جديد دخل على الساحة الشرق أوسطية هو العنصر الإيراني الذي يخفي طموحات تاريخية قامت منذ قوروش العظيم ولم تنته مع انتصارات الاسكندر الكبير على داريوس بل عادت إلى الواجهة مع كسرى الأول والثاني ليحجّمها الفتح الإسلامي وتعود خجولة مع العباسيين لتطفو مجددا مع الشاه، ولكنها اليوم، ومع جمهورية نجاد الإسلامية، تحاول القبض على خيوط اللعبة بشكل جدّي بعد أن استعملت خطة قديمة كان وضعها كسرى الثاني يوم احتل إنطاكية ودمشق والقدس وانتظر ثلاث سنوات، كما يقول المؤرخون، قبل أن يدخل لبنان حيث استقدم فرقا من سكان الجبال في بلاد فارس أرسلها لتسكن وتستقر في سفوح جبال لبنان لتأمين الممرات الجبلية للجيش الغازي، وبطريقة مماثلة استعمل الإيرانيون اليوم قوات حرسهم الثوري لتدريب عناصر محلية لبنانية استطاعوا بواسطتها، وبغطاء مذهبي، تأمين وسط موالي لهم يسمح باستعمال حجة إسرائيل للتغلغل في ساحة الشرق الأوسط الغنية بالنفط والاستفراد لاحقا بمقدراتها بعد استبعاد القوى الغربية الكبرى التي لم تعد مجتمعاتها قادرة، بحسب استنتاجات قادة الإسلاميين الجدد، على النضال الطويل والقتال المكلف في عالم منفتح أكثر من أي وقت مضى ومتداخل المصالح والحاجات.

 

الإيرانيون، الذين يسعون للتفوق على الدول الصناعية الكبرى التي تنفرد حتى الآن بالتكنولوجيا الخاصة بالسلاح النووي ليشكل الرادع لكل تحد لنفوذها ومصالحها، يريدون فرض معادلة جديدة على الساحة الدولية وهم يطورون صواريخهم البالستية بحجة الرد على إسرائيل، وبشكل مواز، يدفعون باتجاه الحصول على القدرة النووية والتوسع الجغرافي تحت غطاء الشعارات الإسلامية الجهادية باتجاه المناطق الاستراتيجية الحساسة في الشرق الأوسط؛ فهم بنوا لهم قواعد في اليمن بين الثوار الحوثيين وعلى الحدود مع السعودية مشابهة لقواعدهم في لبنان، كما بنوا لهم قواعد في القرن الأفريقي حيث تكثر الفوضى الناتجة عن عدم استقرار الصومال وعودة القرصنة البحرية إلى هذه المنطقة، وقد دخلوا بواسطة حليفهم السوري إلى قلب فلسطين وتحديدا إلى غزة التي سيطرت عليها حماس فأعطتهم قاعدة مثلى وأساسية لتحريك الأوضاع في مسلسل الصراع الشرق أوسطي، وهم يصولون ويجولون في الساحة العراقية بسبب الولاء المذهبي والوضع الهش نسبيا، وهم إذ حيدوا سلطنة عمان منذ البدء يتغلغلون بين الأوساط الشيعية من أصل أيراني في دول الخليج الغنية للضغط عليها وتخويفها من أي مواجهة مستقبلية.

 

الإيرانيون لعبوا لعبة استقطاب الحكم العلوي في سوريا بنفس المنطق الذي استقطبوا به ثوار الشيعة اللبنانيين وهم دفعوا الأسد الأب أولا والابن اليوم إلى أحضانهم بدون الكثير من العناء لأنهم فهموا لعبة النظام السوري بتعهد الإرهاب ومن ثم بيعه فأعطوه الثمن المطلوب في مقابل أن يلعبوا في لبنان بدون التعدي على مصالحه، بينما اعتقد هو بأنه يستطيع في أي وقت أن يبيعهم وجماعتهم لمن يدفع أكثر، ولكنه مع الوقت أصبح بلا شك أسيرهم في لعبة تبدو أكبر منه، ولذا فإن "المعلم الشاطر" الذي كان يسحب نفسه "مثل الشعرة من العجين" عند اللزوم، من أي مأزق، لم يعد بقادر على إدارة اللعبة بنفس الحرية وهو يبدو محشورا اليوم ومضطرا إلى الدخول في المعركة التي حاول دوما تجنبها.

 

يقول الأمريكيون والإسرائيليون بأن السوريين أعطوا حزب الله صواريخ سكود الروسية الصنع أو تلك التي طورتها كوريا الجنوبية، لا فرق، المهم بأن عناصر من حزب الله تدربت على استعمالها على أن تدخل إلى لبنان من ضمن الخطة الإيرانية للمواجهة. ويقول بعض المحللين العسكريين وبعض المسؤولين السوريين واللبنانيين بأن لدى حزب الله ترسانة من الصواريخ قادرة على إصابة أهداف في تل أبيب بدون الحاجة إلى صواريخ سكود هذه التي يصعب تحريكها وهي بحاجة إلى وقود سائل ليس من السهل التعامل معه بينما لدى حزب الله صواريخ م600 التي يبلغ مداها 250 كلم وتعمل بالوقود الصلب وهي قادرة على حمل رؤوس يصل وزنها إلى 500كلغ وهي نفس القدرة التي لدى صواريخ سكود ولكن الفارق بين الصاروخين يكمن في المدى حيث يصل مدى صاروخ سكود د هذا إلى 700كلم .

 

ويضيف هؤلاء المحللين ومنهم صحافيين أمريكيين بأن لا حاجة لحزب الله لاستعمال صواريخ سكود هذه فهو في حال نشوء أي صدام مع إسرائيل يستطيع إصابة تل أبيب للرد على أية ضربة تقوم بها إسرائيل للضاحية الجنوبية لبيروت بواسطة صواريخ م600 التي يملكها، فقد كان نصر الله هدد إسرائيل في خطابه الشهر الماضي بالرد على أي "اعتداء" بقصف مماثل، وقال يومها بأن مطار بن غوريون سيكون مقابل مطار بيروت، ومدينة تل أبيب مقابل الضاحية الجنوبية. فلماذا إذن يريد أن يزج سوريا في هكذا وضع خطر بدون أن يكون بحاجة لمثل هذا السلاح؟ ولذا فالاستنتاج السريع هو بأن الأميركيين والإسرائيليين هم من يخترع هذه القضية بدون أن يكون لها أي أصول. من هنا تحدي مسؤولين في الحكومة اللبنانية وقيادة الجيش، وهم لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الوضع ولا يعرفون ما يحدث على الأرض إلا ما يسمح لهم حزب الله بمعرفته، تحدوا الإدارة الأمريكية بتقديم أدلة على ذلك وادّعوا بأن القضية بكاملها ملفقة.

 

ولكن من يراقب ويقرأ الأحداث بعيدا عن تشنجات وعواطف الساحة المحلية يعرف بأن حرب 2006 لم يقررها حزب الله ولا هو خطط لها، لقد كانت خطة موضوعة من قبل قيادة الحرس الثوري الإيراني، وهي نفذت بموجب الأوامر الصادرة من هناك، ويومها قام نصرالله ولمدة يومين بالتبجح بأن حزبه خطط ونفّذ هذه العملية الدقيقة وأذهل إسرائيل بقدراته، ولكنه بعد أن استحق ما يجري على الأرض ورأى حجم الدمار وفهم بأنه لن يستطيع الصمود غيّر رأيه وقال من على تلفزيون الجزيرة جملته المشهورة "لو كنت أعلم..." ولكن بعد أن استقرت الأوضاع وهدأت الحرب وتكفلت الأمم المتحدة بضبط الأمور، وعندما قام الشارع الإسرائيلي يطالب بمحاكمة المسؤولين لأن حزب الله لا يزال يشكل خطرا مستقبليا على مواطني إسرائيل، قام السيد وجماعته بإعلان النصر الإلهي على الآلة العسكرية الإسرائيلية. ولكن لماذا حضّرت هذه الخطة ولماذا نفذت وماذا يمكن أن يحضّر للمستقبل؟ تلك هي الأسئلة التي يجب أن تسأل وعندها قد نعرف لماذا يحتاج التخطيط الإيراني لصواريخ سكود داخل الأراضي اللبنانية وما هي أهدافه ومتى ينوي استعمالها؟

 

لو كان المسؤولون في لبنان الذين يملأون الصحف والتلفزيونات ضجيجا وصخبا يسمحون لأنفسهم بطرح هكذا أسئلة لما كانوا يسارعون إلى تبنّي مواقف تملى عليهم الدفاع عن أوضاع لا يملكون حق التصرف بها وهي سوف تزج بهم وبقدرات لبنان في آتون لن يقدروا على تحملّه.

 

الإيرانيون في 2006 كانوا يريدون منع صدور قرار أوروبي بشأن تجاربهم النووية فأحدثوا هذا الضجيج في مكان آخر ألهوا به العالم عن اتخاذ قرارات مهمة بشأن ما كانوا يقومون به ولم يهتموا بنتائج العملية. وهم قد يقومون اليوم بعملية تحويل نظر جديدة، ربما، أو عملية إستباقية للتخلّص من قدرات تشكل أخطارا على تطلعاتهم وخططهم المستقبلية. من هنا فإن الإيرانيين يمكن أن يخططوا لشن هجوم مفاجئ على إسرائيل كما حدث في 2006 ولكن برد فعل أقوى بكثير مما قاموا به في تلك الحرب لأنهم هم أيضا، وكما فعل الإسرائيليون، درسوا القدرة الجوية الإسرائيلية التي يهدد الكثيرون باستعمالها لضرب مفاعلاتهم النووية وهم سوف ينهكون هذه القدرة بضربات صاروخية تشل المطارات العسكرية الإسرائيلية في أول ضربة كما كانت إسرائيل نفسها فعلت بالمطارات المصرية في حرب 1967، وبينما لا يملكون بعد حرية التصرف بالأسلحة الصاروخية على الأراضي السورية، فإنهم يملكون هذا الحق في لبنان، ومن هنا فهم طلبوا من حليفهم السوري تدريب حزب الله على هذه الصواريخ وطلبوا منه تسليمهم عددا منها.

 

إذا كان المحلل العسكري يضع في طروحاته أن حزب الله هو في موقف دفاعي وأن الخطر يأتي من إسرائيل فهو على حق أن يقول بأن هذا الحزب لا يحتاج إلى صواريخ يصل مداها إلى أكثر من 250كلم، ولكن إذا ما كان حزب الله في لبنان جزءً أساسياً من المنظومة العسكرية الإيرانية ويشكل رأس الحربة في شل الدولة النووية الوحيدة في المنطقة التي قد تشكل خطرا على مشاريع إيران المستقبلية، فإن تزويد حزب الله بصواريخ قادرة على ضرب مطارات إسرائيل العسكرية في صحراء النقب والتهديد بضرب مفاعل ديمونة هو حاجة ملحة، واستعمالها أساسي في الخطة الإيرانية لمنع تهديد برنامجها النووي بالتوقف.

 

يبقى أن الموقف السوري لن يكون بمنأى عن هذه التطورات ولا هو بقادر على تجنب مفاعيل الرد الإسرائيلي من هنا فإن الأمريكيين والإسرائيليين سارعوا إلى تنبيه سوريا من خطورة هذا التصرف وربما قبل أن يقوم السوريون به لأنه يشكل بالفعل إخلال بموازين القوى. فهل يرتدع السوريون ويسحبون الصواريخ كما فعل الروس أثناء الأزمة الكوبية أم أنهم يسعون هم أيضا إلى تغيير أسس اللعبة ويعتقدون بأنهم يلعبون لعبة رابحة ستمكنهم من الوقوف في صف المنتصر وتلقين إسرائيل درسا لن تنساه وربما كسر الهالة الأميركية سيما وأن الرئيس أوباما لم يبدي تحمسا شديدا لمساندة أية ضربة وقائية ضد إيران حتى الآن؟

 

الأسابيع القادمة تبدو حساسة في توازن القوى في الشرق الأوسط فهل تصمد الهدنة إلى ما بعد انتخابات الكونغرس الأميركي في الخريف القادم حيث من المتوقع أن تتقلص هوامش تحرك الرئيس في حال تغيّر الأكثرية في الكونغرس، أم أن المخططين الإيرانيين سيستغلون الوقت الضائع هذا لافتعال أحداث تسمح لهم بالقيام بضربة وقائية تمنع الإسرائيليين من مجرد التفكير بخطة لوقف برنامجهم النووي وتشغلهم بالاستعداد لحماية النفس بدل التصرف كوكيل قادر وموثوق به للقوى العالمية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط؟

 

الكولونيل شربل بركات

26 نيسان 2010

تورونتو - كندا