هاييتي... المأساة ونحن

بقلم/الكولونيل شربل بركات

 

وسط الدمار الذي أحدثه زلزال هاييتي والمعاناة التي رافقته وموجة التهجير التي نتجت عنه وسحابة الموت التي خلفت قرابة الخمسين ألف قتيل حتى الآن، ظهر الوجه الآخر للإنسانية المتعاونة في عالم تتفاعل شعوبه بالرغم من تنوع عقائدهم ومشاربهم وتضارب مصالحهم وحوافزهم. ويبدو أن الأزمات الحادة والتي تأخذ وجهاً إنسانياً تؤثر بشكل إيجابي وتظهر ضرورة هذا التعاون على خير الإنسانية جمعاء.

 

في كل مرة تضرب الطبيعة المتحركة منطقة من العالم يهب من يحركه الشعور مع الآخرين للمساعدة ونحن ننتظر دوماً أن تنتقل هذه العدوى الإيجابية نحو دول الجوار ومجتمعاتها ولكن دون الملموس من الإشارات. وبالرغم من أن الثراء يكثر في بعض هذه الدول إلا أنها لا تظهر تفاعلاً إيجابياً يذكر مع مآسي بقية العالم. فلم نرى الخبراء، إذا وجدوا، أو فرق النجدة أو المتبرعون يرسلون للمشاركة كما تفعل سائر الدول في إظهار تضامنها مع المنكوبين ولا تلك المساعدات تصل بشكل ظاهر لتعطي عنهم فكرة التعاون الإنساني التي نحب أن ترافقهم.

 

صحيح أن أفراداً قد يتحمسون ويرسلون بعض التبرعات أحياناً إذا وجد من يحثهم على ذلك وهذا من "شيم العرب" وصحيح أنهم ربما يساندون عربا آخرين في أزماتهم أحياناً، ولكن المشكل أن قادة الرأي في بلاد العرب لا يهمهم سوى التركيز على محاربة الاستعمار ومشاريع الهيمنة بكافة أشكالها وقد تكون المآسي برأيهم والتعاون على حلها أحد وجوه هذا الاستعمار ومن هنا فهم لا يظهرون تحمساً للمساعدة.

 

حتى إسرائيل الدولة الشرق أوسطية التي يعتبرها كل العرب "غير إنسانية" في تعاملها معهم (وتعاملهم معها) بادرت بإرسال فريق للمساعدة في رفع العناء عن الناس في هاييتي وهي فعلت ذلك في غيرها من الأماكن أكثر من مرة ومن المؤكد أن الولايات المتحدة "الشيطان الأكبر" (بالنسبة للبعض) تتدخل دوما للمساعدة إن في هاييتي أو إيران أو تركيا أو إندونيسيا لا فرق لأنها تدرك مسؤوليتها في المساعدة على رفع المعاناة عن شعوب العالم أثناء الأزمات الكبرى بينما يتبجح أفواج المنظرين في عالمنا العربي أو الشرق أوسطي بالعمل على التصدي للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ومجابهته على أراضي بلادهم وهم ينظّرون بأن هم هؤلاء السيطرة على العالم ولكنهم لا رأي لهم عندما لا يتعلق الموضوع بحالة سياسية لأنهم لا يدركون ربما بأن العالم تتداخل فيه الحاجات كتداخل المصالح والمسؤوليات ولا يمكن لمن يدعي الدفاع عن مصالحه أو مصالح الآخرين في جانب أن يعتذر عن تحمل المسؤولية عندما تتعرض مشاعر الناس لتهديد بسبب وباء أو أزمة كبرى أو مأساة. 

 

في هذه المناسبة وغيرها من المناسبات الإنسانية المؤلمة نتمنى أن يدرك قادة الرأي وأصحاب الأقلام في عالمنا العربي بأن ثقافة الشعوب تظهر في تلقائية ردة الفعل على الأحداث عندها من هنا فإن واجباتهم في هذا المجال توجيه الناس إلى كيفية التعاطي مع الأزمات الشاملة بطريقة أتفق على تسميتها بالإنسانية وبالقدر الذي يرتفع به الإنسان في ردة فعله على مثل هذه الأزمات بقدر ما يكون قد أدرك بأن هذا الكوكب هو بيتنا جميعا ويجب أن نعتاد العيش المشترك فيه وهذا العيش ليس دوماً كما نحب ولذا علينا التعود على التعاون مع الآخرين والقبول بهم ومحاولة رؤية الوجه الإنساني في الآخر وليس فقط مصالحنا وعقائدنا وتطلعاتنا نحن بينما على كل الآخرين الخضوع والعيش بما يلذ لنا.

 

كان لبنان واجهة حقيقية للتعاطي الإنساني وهو أظهر، بالرغم من فقره المادي مشاركة في مشاعر متعالية رفعته إلى مصاف الشعوب التي تعالج منطق الإنسانية الشاملة ومشاكلها، ولكن يوم سقطت الدولة المنظمة والتي سادتها يوما روح التعاون الناتج عن الشعور بالمآسي ومحاولة تخفيفها، ليحل محلها دويلات يقودها شلة من أمراء الحرب الذين لا يعرفون سوى مصالحهم الضيقة ويتقاتلون على كل شيء وكأن لا حدود ولا اكتفاء لأطماعهم، تاه الشرق كله في دوامة من التقهقر والرجعية حتى كاد أن يعود إلى العهود المظلمة التي كان العالم نسيها في محاولة الانفتاح بين المجتمعات والعقائد وبناء النظام العالمي الذي يعطي لكل واحد دوره محاولا تفهم حاجات الناس في سبيل حل الخلافات أو تفاديها.

 

فهل لنا من المآسي دروسا وعبرا في تعاون الإنسانية يمكن أن نتخذها لننطلق إلى العاديات من يومياتنا فنخفف من التعبئة ومن الحقد لنعمل على إعطاء فرص للتعاون ونحث على الانفتاح على الآخر؟ أم أننا قد مات فينا الحس وغاب عنا الشعور وأصبحنا كمن "لا حياة لمن تنادي"؟

 

كندا/تورنتو في 18 كانون الثاني/2010