لو تبصّر حزب الله وزعماؤه

بقلم/الكولونيل شربل بركات

 

عندما ارتاح الشاه لنظامه وقدرته على ضبط الأمور، خاصة بدعم الغرب له في مواجهة أي انقلاب قد يقوم به الشيوعيون الذين كان الاتحاد السوفياتي يساندهم، وبعد الثروة التي تدفقت على إيران من أموال النفط، بدأ التفكير بالتمدد واستعادة أحلام الأمبراطوريات الفارسية السالفة، الأخمينية منها والساسانية. فقد كانت فارس القورشية توصلت للسيطرة على الشرق الأوسط برمته وبدأت بالانتقال إلى أوروبا عبر آسيا الصغرى، ولولا تولي الاسكندر المقدوني السلطة خلفا لوالده فيليب في اليونان وتغييره المعادلة باحتلال كل مملكة داريوس الثالث وملاحقته حتى أفغانستان حيث قتل لتنتهي معه الأمبراطورية الأخمينية، لكانت فارس احتلت العالم المعروف يومها. وقد كانت السلالة الساسانية وبعد حوالي ثلاثة قرون أعادت بناء أمبراطورية جديدة تركزت على أطراف العراق اليوم وناوشت الأمبراطورية الرومانية في هجمات وصل فيها كسرى الأول إلى المتوسط واحتل انطاكية عاصمة شمال سوريا ثم تركها بعد اتفاق مع البيزنطيين، وكانت الهجمة الثانية مع كسرى الثاني الذي احتل انطاكية مجددا ثم سيطر على دمشق والقدس ولم يدخل لبنان إلا بعد أستقدامه قبائل من سكان الجبال في أطراف شمال بلاد فارس لتأمين ممرات الجيش في جبال لبنان، ولكن الأمبراطور البيزنطي هرقل أعاده إلى بلاده مكسورا وأجبره في صك الاستسلام على سحب مجموعات السكان هذه التي كان استقدمها وأسكنها في جبال لبنان. ولم تسقط هذه السلالة بشكل كامل إلا مع الفتوحات الاسلامية التي احتلت المدائن عاصمة كسرى لتنهي هذه المرحلة من حكم الفرس.

 

قلنا أن الشاه كان بدأ بفكرة التوسع ولذا رأيناه يحتل الجزر الثلاث في الخليج وهي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. وهو عرف كسابقيه أهمية لبنان فحاول الدخول إليه عن طريق الطائفة الشيعية، وقد ساهم الامام المغيب السيد موسى الصدر الذي كان درس الفقه في قم، بلهجته الفارسية، بتحسين صورة إيران في وسط أبناء الطائفة اليساريين بالفطرة. ثم قامت الحكومة الإيرانية بتوزيع بعض المنح الدراسية للطلاب الذين يرغبون في الدراسة بجامعات طهران وتعلم اللغة الفارسية، وذلك بواسطة سفير لبنان في طهران إبن مدينة صور الجنوبية يومها السفير خليل الخليل الشيعي المذهب وهو إبن المرحوم كاظم الخليل أحد زعماء الشيعة في جبل عامل. وفيما بعد شاركت إيران بكتيبة إيرانية في القوات الدولية "اليونيفيل" في جنوب لبنان والتي كانت أنشئت بناء على قرار مجلس الأمن الدولي 425 وذلك بعد "عملية الليطاني" في 1978.

 

ولكن، وكما يقول بعض المحللين الغربيين، كان الشاه خسر مساندة الغرب له يوم شارك مع المغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز بقرار حظر النفط في 1973 الذي تأثرت به الولايات المتحدة وبعض دول الغرب بشكل مزعج ما ساهم بخلق تحولات جذرية في سياسات هذه الدول أدت بعد مقتل الملك فيصل على يد أحد أفراد الأسرة الحاكمة في السعودية إلى حرب لبنان ومن ثم سقوط الشاه نفسه أمام ثورة رجل الدين الشيعي المبعد إلى العراق ثم فرنسا الامام الخميني. ولكن الخميني لم يتوقف عند حدود إيران ولا اكتفى بالسيطرة على السلطة وقلب النظام في طهران، ولكنه أكمل مشروع الشاه في التوجه غربا إنما تحت عنوان جديد هو نشر مبادئ الثورة الاسلامية في المحيط الذي لا يخلو من المجموعات الشيعية، وقد اختار قاعدته في لبنان حيث كان من المستطاع تجربة كافة أنواع ونظريات التخريب لضرب استقرار المنطقة بأسرها. وها هو الارهاب يصبح سلاح المرحلة المقبلة في الصدام الدولي.

 

أيران الشاه إذا بدأت بالتمدد غربا وخاصة نحو لبنان ولم يتوقف هذا التمدد مع إيران الخميني أو الثورة الاسلامية، لا بل تطور من المحاولة الثقافية الليبرالية زمن الشاه، إلى التعبئة الثورية المذهبية مع الخمينيين والتي اعتمدت السلاح والتدريب مصحوبين بالأصولية الدينية المتزمنة وسيلة، وتخفت تحت شعار موجهة إسرائيل ومخططات "الامبريالية والصهيونية".

 

حزب الله نشأ تحت غطاء محاربة إسرائيل، نعم، ولكن الهدف الأساسي من إنشائه وتعبئته وتدريبه كان دوما بناء رأس جسر على المتوسط وتطويع مقاتلين عرب يمكن استعمالهم في سياسات طهران التوسعية في بلا العرب أو غيرها، من هنا أهمية ضبط حزب الله من قبل الإيرانيين وأهمية الامساك بالطائفة الشيعية من قبل الحرس الثوري لتشكل الخزان البشري في ذلك المشروع.

 

يقول قائل أن حزب الله هو حزب لبناني قام بعملية تحرير الأرض من "العدو الصهيوني" وهو ما توّجه انسحاب إسرائيل إلى حدود خط الهدنة في 1949 ولكن إذا كان هذا هو الوضع فإن مهمة حزب الله كان يجب أن تنتهي يومها بما أن إسرائيل أكملت انسحابها من الأرض المحتلة وتحرر لبنان فلما إذا إبقاء السلاح ولما اختراع مسببات أخرى لعدم الاستقرار كمزارع شبعا وغيرها سيما وأن الشعب اللبناني قد سئم الحروب وأجواء القتال التي رافقته منذ أكثر من ثلاثين عاما؟

 

الجواب يكمن في إيران لأن زعماء حزب الله لا يأمرون ولا يقررون متى وكيف تنتهي الحروب أو يسلّم السلاح، فهذا السلاح هو لمهمة أكبر من تحرير الجنوب، إنه سلاح دولة الولي الفقيه. من هنا نفهم لماذا لا يمكن لزعماء حزب الله أن يكونوا لبنانيين أو أن يسعوا لمصالح شعب لبنان، فدورهم أكبر من مساحة لبنان ومهمتهم أبعد من حدوده وحتى حدود الشرق الأوسط، لأن المواجهة التي يسعى إليها نظام طهران تبدو وكأنها مواجهة مع العالم وليست مواجهة محدودة.

 

ضمن هذه الأجواء ما هي مصلحة لبنان وما هي بالذات مصلحة الطائفة الشيعية في ترك حزب الله يقود الطائفة والبلاد إلى حيث لا يريدون؟ وهل لزعماء الحزب المذكور رأي في القرار أم أنهم أصبحوا موظفين في إدارة رأسها خارج لبنان؟

 

ثلاثة محطات رئيسية لا بل فرص أساسية لم تصحّ لغيره كان يمكن لحزب الله من خلالها أن يصبح فوق كل الشبهات له الفضل الكبير على الوطن والاحترام من كافة فئات الشعب. هذه الفرص هي:

 

*قرار باراك رئيس وزراء إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان من طرف واحد بدون قيد أو شرط. كانت هذه فرصة حزب الله ليلتف حوله كافة اللبنانيون لو أعلن أنه فور قيام الإسرائيليين بالانسحاب الكامل سوف يضع سلاحه بتصرف الدولة اللبنانية ويترك العمل العسكري ليقوم بعمل انمائي بنفس العزيمة والتخطيط اللذين "قاوم" بهما إسرائيل، وطلبه الوحيد أن يسلّم كافة الفئات اللبنانية وغير اللبنانية المتواجدة على الأرض اللبنانية سلاحها للدولة كما فعل هو. فهل كان يقدر أحد أن يزايد عليه بالوطنية لو فعل؟

 

*المحطة الثانية يوم صدر القرار 1559 وطالب بتسليم كل الأسلحة للدولة وانسحاب السوريين ولو أقدم حزب الله يومها على إعلان قبوله بقرار الأمم المتحدة كما فعلت سوريا، وطلب التنسيق مع مجلس الأمن ومع الدولة اللبنانية لبرمجة تسليم سلاحه وتنظيم استيعاب عناصره في برامج تنموية تمولها الدول الكبرى وتشرف عليها الأمم المتحدة، لكان نزع عنه صبغة الإرهاب ورفع قدره إلى مستوى الدول ولكان اشترط بأن يسهم في الاشراف على تنفيذ القرارات الدولية وفي المقابل حل بعض المواضيع المتعلقة بإسرائيل وتشديده على نزع السلاح من كافة الفئات على الأرض اللبنانية. ولو فعل لكان أيضا نال تصفيق دول العالم واحترام المنظمة الدولية والشعب اللبناني.

 

*المحطة الثالثة وبالرغم من كل الأخطاء وبالرغم من حرب 2006 المدمرة وبالرغم من كل الخسائر البشرية لو قرر حزب الله التزامه بالقرار الدولي 1701 ووقف عملية إعادة التسليح والطلب من الدولة استلام أسلحته واستيعاب عناصره وتفضى هو للعمل السياسي، لكان نال بكل تأكيد احتراما من قبل الجميع العدو قبل الصديق.

 

اليوم وبعد كل هذه الفرص يذهب حزب الله إلى الحائط المسدود في محاربته المحكمة الدولية، وهنا أيضا لم يدرك بأن دفاعه المستميت والغير معقول عن عناصره هو ما سيجعل فضيته خاسرة، فسوريا التي لا يعقل أن ينفّذ أحد عملية اغتيال بحجم عملية الحريري والعمليات التي تلتها، لم تتورع بالقول بأنها مستعدة لمحاكمة من يثبت عليه الجرم. فلماذا يتنطح زعماء حزب الله بالقول بأنه لا يوجد عناصر غير منضبطة في الحزب ما سيؤدي إلى القول بأن زعماء الحزب إذا متورطون بعمليات الاغتيال ومسؤولون مباشرة عن ذلك. فهل هذه أيضا من الأوامر الإيرانية؟ أم هي قصر نظر وادعاء بالتفوق والقدرة على مواجهة العالم مجتمعا؟

 

من هنا نقول بأن زعماء حزب الله الذين يقودونه نحو المواجهة مع المحكمة الدولية إن كانوا يسكنون في طهران أو الضاحية الجنوبية من بيروت لا يتمتعون بالقدر الكافي من المسؤولية وبعد النظر، وقد يكون كلامهم عن الانتحار كسلاح وحيد للمواجهة حدد مجالات النظر وقلل من الخيارات عندهم حتى باتوا يعتقدون بأن كل الحلول يجب أن تكون حلولا انتحارية، وهنا نأمل فقط بألا يجروا الطائفة الشيعية الكريمة والتي لا يمكنها أن تسير في ركاب مثل هذه الطغمة إلى المصير الذي اختاروه لأنفسهم. ونتساءل أيضا ما شأن من يدعون بالمعارضة في مثل هذا المصير؟

 

فهل يفتح الله بعد قلوب وعيون اللبنانيين ليعرفوا أين يذهبون؟ أم أن من قبل الوظيفة وأغنامها لا حق له بالاستقالة متى يشاء؟

 

لو تبصّر زعماء حزب الله واستغلوا الفرصة تلو الأخرى التي توفرت لهم لكان لبنان اليوم يضمّد جراحه بكل ثقة ويرسم المستقبل بكل عزم ولكان يستطيع أن يسهم في التفاهم بين العرب والفرس ويخفف من المشكلات التي قد تطال هذه المنطقة وتحد من مسيرتها نحو الرفاه والاستقرار.

 

حزب الله اليوم يلف الحبل حول رقبته وهو كلما زاد حركة ازدادت القضية تعقيدا ولم يعد بالسهولة فك الحبال من حولها أو تزويده بالهواء اللازم. فلنضرع إلى العلي القدير أن يمرر الأيام القادمة بسهولة على كل لبنان ويمنع المتهورين من القيام بتحركات لا تقربهم إلا إلى الانتحار.

 

الكولونيل شربل بركات

تورونتو كندا

17 - كانون الثاني - 2011