أولاً وأخيــــــــراً

De l'audace, et encore de l'audace

دانتون

بقلم/سمير عطاالله

النهار 29/7/09

 

أيام "النهار" في سوق الطويلة كان الياس الديري يضع تحت زجاج مكتبه قولا لفيلسوف الماني: "هل من الضروري ان تكون طريق العودة دائما الى الوراء؟". يحيّر هذا التبلبل في طريق عودة وليد جنبلاط الى الامام، الى موقعه الطبيعي في العروبة وفلسطين، فهو ليس في حاجة الى هذا المسلك العفوي، الى ذرائع وتبريرات كالتي اضطر اليها وهو يغرّب بعد الإرث الشرقي الكبير. فلماذا التعرض للمسيحيين لارضاء الشركاء الطبيعيين؟ ولماذا التقديم للعودة بحك الجروح الماضية غداة اقفال صناديق الاقتراع وانتفاء الحاجة الى اصوات شريك الاضطرار؟ فقد بدأ زعيم المختارة بالحديث عن "الجنس العاطل"، اي حصريا الموارنة، وصعّد وما انتهى بعد باستبعاد المسيحيين من تحالف عتيد يحلم به، او يخطط له.

 

طبعاً، يوضح وليد بك كلامه دائما لكنه لا ينفيه: "اخراج الكلام من سياقه". لكن السياق هو انهم جنس عاطل في كل الحالات، وان "لبنان اولا" كُفرٌ بالعروبة، وإن يكن قائلها هذه المرة سنّياً يتزعم على بيروت وطرابلس وصيدا (بالاذن، طبعا، من زعامة فؤاد السنيورة). لذلك، وضمن منطق السياق، لا مكان للمسيحيين!

 

من السهل متابعة وليد جنبلاط، ولكن من المتعب اللحاق به. فما من احد طبّق قول تشرشل إن السياسة مصالح لا صداقات، بالشجاعة التي طبقها هو. واحيانا بالكثير من ازدراء ردود الفعل، او التساؤلات او المساءلات. فوليد بك لا يُسأل. هو يقول، لكنه لا يجيب. وللناس ان تصغي وان تفسر. ولذلك اجمع المفسرون على ان الرجل قارئ جيد لمتغيرات السياسة وتعاكس دورة الارض.

 

في اي كتاب يقرأ وليد جنبلاط؟ من الصعب المتابعة. ها هو يقول على الملأ: "زبال في نيويورك ولا زعيم في بيروت". ثم يقول للملأ نفسه: "جاءنا جو بايدن يطلب منا حلفاً مع اسرائيل"! وها هو يمنع رسميا من دخول اميركا، ثم يحل ضيفاً على "نادي الصحافة" في واشنطن ليفصّل رؤية سياسية محملة بالنقد لخصميها الرئيسيين، ايران وسوريا. وها هو، نسيب سلطان باشا الاطرش وزعيم الدروز، يحيي فرنسا ويطلب عودتها في ساحة البرج، "بلاس دي كانون"، ومتفرعاتها من اللنبي (الذي استعاد القدس من المسلمين) الى جادة الفرنسيين.

 

لماذا؟ او لماذا بهذه السهولة؟ لأن وليد بك يتّكل دائما على قاعدتين: الجبن في السياسة، والجهل في السياسة. فعندما راح يسخر خلال الحرب من "عصر النهضة" (امتدحه في ما بعد) كان يدرك ان احداً من السياسيين لا يدرك ان اخواله هم عمدة ذلك العصر. وعندما وصل به الامر الى فخر الدين، كان يعرف سلفاً ان الجبن سيد والجهل سلطان. فلن يجرؤ احد على الرد. ولن يعرف بماذا يرد.

 

لكن شطحات وليد بك في السياسة وعلى السياسيين كانت غالبا مليئة بالحدة، وخصوصا بالاستهتار، وعدم اخذ وقع ما يقول في الاعتبار، على الاقل، لدى الذين يملكون شيئا من الاحساس وبعضاً من "تفل" الكرامة، على قلتهم، فقد كان يسمي السياسيين المتقدمين في السن (كميل شمعون، بيار الجميل، صائب سلام) الخرفانين مع ان السن حق لا تهمة، حتى في أرذلها.

وكان يصعِّد خلال الحرب حتى لا يبقي كوة او نافذة او ثقباً للصلح. لكنه كان يدرك ان في امكانه ان يغير غدا دونما "ما احلى الكحل في عينك".

 

ثمة بلبلة كثيرة في طريق العودة. ولا لتزم لها ولا ضرورة. فالحقيقة ان المسألة في لبنان ليست قضية "جنس" او "عرق" بل هي قضية تربة، في شكل عام. تربة، بمعنى المناخ والبيئة، والهواء الفاسد، او الفاسق، الذي يعيش عليه اللبنانيون جميعا ودون استثناءات. اما العطل المميز في الجنس الماروني، او الحصري، فهو عطلهم بعضهم ضد البعض، وحروبهم بعضهم على البعض، ومقاتلتهم بعضهم للبعض، وايذاؤهم وضررهم وقلة ادبهم واخلاقهم بعضهم حيال البعض.

 

تلك هي المشكلة، او المسألة، او القضية. وهم الذين اوصلوا الوضع الى وقت يستطيع فيه وليد جنبلاط ان يقول إن دخولهم ممنوع في التجمعات الوطنية. ولكن يجب ان نتذكر اننا هنا امام عزل ودي، ضمن الرفاقية والتحالف، وليس أمام عزل جديد، من النوع الذي اعلنه كمال جنبلاط مع بدء الحرب مع "لبنان اولا"، و"وطني دائما على حق".

 

إنها طريق العودة. عام 1988، في القمة الروحية في الكويت، قلت للمفتي الراحل الشيخ حسن خالد، في حضور الزميل الكريم محمد السماك: "قلت سماحتك فليعودوا الى روديسيا. وهذا خطأ تقني. الاصح القول، فليذهبوا الى روديسيا. اما اذا كانت مسألة "عودة" فيجب ان يعودوا الى اقليم الخروب، او اقليم التفاح، او اقليم البلوط. هم، سماحتك، اهل الارض وإن يكن الصراع الآن نازلا من السماوات".

 

أي مسيحيين، يريد جنبلاط، ان يبقي خارجاً؟ اذا كان يعني خصومه او حلفاءه الحاليين (غداً يوم آخر) فإن له ما يشاء. سياسة بسياسة، وانقلاب بانقلاب. اما اذا كان يعني المسيحيين في المطلق، كقوة وجودية رمزية، فهذه تاريخها العربي مثل تاريخ "لبنان اولا". هذه قوة فكرية ونضالية واستشهادية في العروبة، احيانا مثل سواها، واحيانا دونها جميع الاسوياء. وفي هذا المعنى، هي التي فسرت للعرب عروبتهم، وهي التي حملت اليهم الفكر الاشتراكي الانساني الضمائري (على رغم ما حصل له في ما بعد)، وهي التي حمت لغتهم من التتريك، وهي التي تُضطهد في بيت لحم كاضطهاد الاقصى. ولعل في تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين ما يقنع وليد بك بأن فكرة الاستبعاد الملطّف بعد ثقافة العزل، فيها تجن على صلب العروبة وعلى صلابتها، اولا واخيراً. ثم ان المؤسف والمحزن، انه في حال التجاذب والتردي والتخلف السياسي والوطني الذي آلت اليه العرب والعجم، لم يعد قرار العزل والاستبعاد والاستثناء في يده، ويا للاسف.

 

وزير الدفاع السوري السابق العماد مصطفى طلاس، كان هو ايضا يتحدث في مذكراته عن الحذر من المسيحيين والخوف من ميولهم الى الغرب. كان ذلك غريبا حقا في بلد رمزه التقليدي فارس الخوري، ورمزه الثوري ميشال عفلق، واما الرجل الذي يدعو الى وحدة تحمل اسم سوريا، دون سواها، فيدعى انطون سعادة.

 

ولا ضرورة اطلاقا لكي نعود ونكرر لائحة الاسماء التي تجاوزت، في العمق وفي السعة، معظم الافرقاء الآخرين. ولا داعي للتذكير بأن العروبة عند المسيحيين كانت نذراً لا مهنة. واذا كان بعضهم قد اكتشف العروبة حديثا، في سلسلة الاكتشافات، فلا تؤثر في الجذور والعراقة حداثة النعمة وشهوة الانتساب وحرفة تبديل الازرار على الصدور.

 

يجب ان نتذكر، او ربما يُستحسن على الاقل، انه عندما اختار كمال جنبلاط ان يؤسس حزباً اشتراكياً في لبنان، خارج اطار زعامته الطائفية، جمع من حوله عدداً من نخبة وصفوة المسيحيين المجبولين، وليس المؤمنين، بالعروبة والاشتراكية. ولا يجوز ان يبدو ذلك التاريخ الآن كأنه من السهل التشكيك فيه والاستهتار بمرحلته الذهبية. وقد ظل هؤلاء رفاق كمال جنبلاط الى ما بعد استشهاده، وما بعد هزال العروبة، وما بعد التنكيل بالاشتراكية ووأدها مع باقي الافكار الحرة والنبيلة.

 

السياسة مسائل آنية خاضعة للمرحليات والضرورات. المسيحيون في لبنان، على رغم ما فعل بهم سياسيوهم، حقيقة دائماً. مثل لبنان، اولاً او اخيراً. ومثل عروبة لبنان، اولاً واخيراً.