أول فوز شرق أوسطي على ولاية الفقيه

نتائج الانتخابات في لبنان قد يكون لها تأثير إيجابي مباشر على المحيط العربي

بقلم/مهى عون

 

في نتائج صارخة وغير متوقعة فازت قوى "14 آذار" في الانتخابات البرلمانية اللبنانية وبفارق شاسع على قوى "8 آذار" والتي تقودها المعارضة وعلى رأسها "حزب الله", فحصدت 71 مقعداً مقابل 57 مقعداً لتحالف "حزب الله" و"التيار الوطني الحر". النتائج جاءت بشكل صدمة مدوية, تردد صداها الإيجابي على الصعيدين المحلي والإقليمي, ومن الممكن اعتبارها سابقة شرق أوسطية دراماتيكية, نسبة للتأزم الحاصل في غالبية الدول العربية تجاه المد الإيراني اليوم ونظام ولاية الفقيه. وهذا التهديد المباشر الذي يمثله حكم"الباسدران" والحرس الثوري الإيراني على كيانية واستقرار العديد من الدول العربية والشرق أوسطية, ليس وهماً أو تصوراً غير واقعي, بل هو مخاوف حقيقية من نتاج سعي هذه الأجهزة إلى زعزعة الأمن في هذه الدول عن طريق زرع الفتن الطائفية السنية الشيعية, بهدف السيطرة والتمدد انطلاقاً من مبدأ فرق تسد.

ولقد وصف بعض المراقبين هذه النتائج الكاسحة بال"تسونامي" أسوة بالتوصيف الذي استعمل حيال نجاح الجنرال ميشال عون في انتخابات عام 2005, بعد عودته من المنفى. إذ حصد حينها غالبية الأصوات المسيحية نتيجة استثماره لمشاعر عطف وتأييد المسيحيين المكتوين من تجاوزات وظلامة النظام السوري خلال ما درج اللبنانيون على تسميته بفترة "الوصاية السورية". فاعتبروه حينها بمثابة المنقذ والمخلص وأعطوه أصواتهم, على عماها, أي من دون أن ينظروا أو يدققوا في ظروف هذه العودة, ولا في نوعية الأطراف التي ساهمت في مد يد العون اليه, من أجل العودة. وهو واقع اضطره الى رد الجميل لهذه الجهات المفضلة عليه في المرحلة اللاحقة أي خلال الأربع سنين التي تلت هذه الانتخابات. ولم يستوعب اللبنانيون المناصرون للجنرال مواقفه المستجدة في بادئ الأمر, ولا تلوناته غير المنتظرة, ولا تغيره وارتمائه في أحضان خصوم البارحة, ولكنهم حاولوا وعلى مضض إيجاد الأعذار والمبررات له, وركزوا على رد الاتهامات التي بدأت تطاوله من الجهة المقابلة أي من قوى "14 آذار". فبذلوا مجهوداً عظيماً من أجل تبييض وتبرير تصرفات الجنرال "الأورانج", إلا أنهم ارتاحوا وعادوا عن شكوكهم وظنونهم في جنرالهم بعد قيام "التحالف الرباعي", فعمدوا إلى الاستناد إلى هذا المعطى لتبرير تحالف الجنرال مع "حزب الله", مغيبين واقع وحقيقة ارتباط الجنرال عون بالمحور السوري- الإيراني وبشكل سابق لهذا التحالف. ولقد كشف عن بعض جوانب هذا التحالف السابق للاتفاق الرباعي, الأمين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصر الله في آخر خطاب له, عندما قال إن العديد من قادة وكوادر "حزب الله" صوتوا للجنرال عون في انتخابات العام 2005, رغم "التحالف الرباعي" حينها.

 

ولكن ونسبة إلى ما تظهره نتائج هذه الانتخابات اليوم, يمكن القول ان اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً استفاقوا من غفلتهم هذه, وعبروا عن عودتهم لرشدهم بشكل دراماتيكي, ما جعل نتائج هذه الانتخابات تتخطى كل التوقعات. واستفاقوا رغم تركيز الجنرال عون وحلفائه على الخطاب الطائفي لدغدغة مشاعر المسيحيين, ضارباً عرض الحائط بكل مشروعه العلماني السابق. وشعر المسيحيون بأنهم خدعوا وبأن الجنرال العلماني ذا الوجه العربي تبخر واختفى بالكامل, إذ بات يصر على أخذهم بعيداً من مشروعه المبدئي الأولي. وليس فقط باتجاه سورية لكن أيضاً باتجاه إيران, وهو توجه استشعروا بمدى خطورته على كيانيتهم وهويتهم, خصوصاً وأنه مخفي الجوانب غامض الأفق. فسورية تظل أقل تهديداً للهوية والنظام اللبنانيين, كونها معروفة الأهداف ومكشوفة النوايا. أما النوايا الإيرانية فتحوم حولها أكثر من علامة استفهام وأكثر من تخوف وقلق. ليس أقلها احتمال تحول النظام اللبناني إلى نظام تابع لولاية الفقيه, يهدف إلى تغيير "وجه لبنان العربي", وفق توصيف البطريرك صفير في تصريح تحذيري أطلقه عشية الانتخابات البرلمانية.

 

والجدير بالذكر أنه ملاقاة لأهمية الدور الذي ادته بكركي, لا بد من الاعتراف بدور الإعلام اللبناني في تأثيره المباشر في عملية التوعية هذه, من خلال إضاءته اليومية على عظمة الأخطار التي تتربص باللبنانيين عموماً, وبمصيرهم ومصير أولادهم في حال نجاح فريق "8 آذار". بكلام آخر يمكن القول أن الإعلام اللبناني الحر شكل وسوف يشكل دائماً الحاجز الأساسي أمام تمدد وانتصار المشروع الإيراني في لبنان. فحرية هذا الإعلام والذي أخذ في فترة ما قبل الانتخابات أشكالاً قد تلامس التفلت والجنون, أرهق وسوف ويرهق ويحبط كل مساعي نظام الجمهورية الإسلامية للهيمنة على القرار اللبناني.

 

والفضل في هذه النتائج يعود أيضاً إلى مزايا اللبنانيين في سعة اطلاعهم على ما يجري ويدور حولهم وعلى مدى العالم, والعالم العربي أولاً. فاللبناني يقرأ الصحف ويتابع الأخبار كونه مسيساً بالفطرة. ويدرك جيداً ومن دون أن يرشده أحد إلى ذلك, مدى الخراب الذي أحدثته الجمهورية الإيرانية على امتداد العالم العربي. فهو قرأ ما حاولت أن تفعله في الكويت عن طريق تحفيز الانقسام الطائفي, وهو الانقسام ذاته الذي كانت قد أحدثته قبلاً في العراق وتعمل على تغذيته في مصر واليمن. وقرأ جيدا كيف ولماذا تهيمن إيران على الجزر الإماراتية وعلى الأهواز العربي, ويئس من تصرفات "حزب الله" في مصر ولم يجد تبريراً له, ومن تغذيته للانقسام في فلسطين عبر دعمه لفئة على حساب أخرى, وفي النهاية كفر من الحروب المتتالية التي يشنها "حزب الله" بحجة الدفاع عن لبنان وأرضه, والتي تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة على الحروب الدائمة, دون سواها من البلدان العربية المجاورة, وهو وضع يفوق قدرة لبنان على تحمله إلى الأبد.

 

والمواطن اللبناني جوجل كل هذه المعطيات وشكل قناعة وقام بخيار, يصرخ "كفى". كفى من الحروب المتتالية وكفى لتردي الحالة الاقتصادية, وكفى لهجرة الشباب, وكفى للعربدة الإيرانية في لبنان, وكفى لذهاب لبنان إلى مصير محتم يذكر بمصير غزة. ولم يكن بحاجة لبيان يصدر عن صحيفة ألمانية اسمها "دير شبيغل" حتى يكون هذه القناعة. "فالشمس طالعة والناس قاشعة" كما يقول المثل الشعبي اللبناني, وفي النهاية لا يمكنك حجب الضوء إلى ما لانهاية والحقيقة لا بد لها من أن تسطع.

 

وأبعد من الداخل اللبناني من الممكن القول أن نتائج الانتخابات في لبنان قد يكون لها تأثير إيجابي مباشر على المحيط العربي كونها تشكل بادرة ونموذجاً يحتذى به, وأبعد من العالم العربي في احتمال ارتداد خسارة المعارضة اللبنانية بقيادة "حزب الله", على مصير الرئيس محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية المقبلة. لأن خسارة برنامج "حزب الله" وحلفائه في لبنان قد تسحب ورقة من يد نجاد وتبشر بخسارته في الانتخابات الرئاسية.

 

اليوم يمكن القول ان صفحة قاتمة قد انطوت في تاريخ لبنان. وغداً يوم آخر وفجر جديد يشرق على لبنان وعبره على كل البلدان العربية والتي تعاني من الأزمة نفسها. كل البلدان تريد سيادتها وعزها على أرضها, ولا تقبل أن يُملى عليها أي موقف من الخارج. فالحرية عزيزة, والسيادة ثمينة, ومن أجل الاستقلال تهون كل التضحيات.

كاتبة وباحثة لبنانية

9 حزيران 2009